تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا

[الإسراء: 33]. وقيل في التفسير: لا يقتل غير قاتله. وعن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من أصيب بدم أو خبل - والخبل الجرح - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه: أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية. فمن فعل شيئا من ذلك فعاد، فإن له نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا "

فمن قتل بعد العفو وأخذ الدية فهو أعظم جرما ممن قتل ابتداء. حتى قال بعض العلماء: إنه يجب قتله حدا ولا يكون أمره إلى أولياء المقتول. فإن الله تعالى قال: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾.

ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون

[البقرة: 179] قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يؤثروا أن يقتلوا القاتل وأولياءه. وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرا من أصحاب القاتل - كسيد القبيلة ومقدم الطائفة - فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، ويعتدي هؤلاء في الاستيفاء. كما كان يفعله أهل الجاهلية، وكما يفعله أهل الجاهلية الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيما، أشرف من المقتول، فيفضي ذلك أن أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل. وربما حالف هؤلاء قوما واستعانوا بهم، وهؤلاء، قوما. فيفضي إلى الفتن والعداوة العظيمة. وسبب ذلك: خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى، فكتب الله علينا القصاص وهو المساواة والمعادلة في القتل. وأخبر أن فيه حياة فإنه يحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين، وأيضا إذا علم من يريد القتل: أنه يقتل، كف عن القتل..!

وقد روي عن علي بن أبي طالب وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده.. "

رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم - أي: تتساوى أو تتعادل - فلا يفضل عربي على عجمي ولا قرشي أو هاشمي على غيره من المسلمين، ولا حر أصلي على مولي عتيق. ولا عالم أو أمير على أمي أو مأمور. وهذا متفق عليه بين المسلمين. بخلاف ما عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود. فإنه كان يقرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم صنفان من اليهود: قريظة والنضير، وكانت النضير تفضل على قريظة في الدماء، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وفي حد الزاني، فإنهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى التحميم، وقالوا: إن حكم بينكم بذلك كان لكم حجة، وإلا فأنتم فقد تركتم حكم التوراة.

فأنزل الله تعالى:

يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم...

إلى قوله:

وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين

[المائدة: 41-42] إلى قوله..

... فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون * وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون

[المائدة: 44-45].

فبين سبحانه أنه سوى بين نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسا على أخرى، كما كانوا يفعلونه إلى قوله:

وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا...

محاسن التأويل · الصفحة ١٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٧٩