قال ابن حزم: لا تعارض بينهما، لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده.
وعندي - في الجمع بينهما - وجه آخر أحسن من هذا وهو: أنه سعى ماشيا أولا، ثم أتم سعيه راكبا، وقد جاء ذلك مصرحا به.
ففي صحيح مسلم عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا؛ أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة! قال: صدقوا وكذبوا..! - قال: قلت: ما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس. يقولون: هذا محمد..! حتى خرج عليه العواتق من البيوت - قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه - فلما كثر عليه ركب. والمشي والسعي أفضل.
وفي الصحيحين عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
" إنما سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة ليري المشركين قوته... "
وعن كريب مولى ابن عباس: أن ابن عباس قال: ليس السعي ببطن الوادي بين الصفا والمروة بسنة، إنما كان أهل الجاهلية يسعونها ويقولون: لا نجيز البطحاء إلا شدا..! رواه البخاري تعليقا، ووصله أبو نعيم في مستخرجه. قال شراح الصحيح: المراد بالسعي المنفي هو شدة المشي والعدو. فهو، رضي الله عنه، لم ينف سنية السعي المجرد، بل مجاوزة الوادي بقوة وعدو شديد، إذ أصل السعي هديه صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
الثالث: في البخاري عن ابن عباس في قصة هاجر أم إسماعيل: إن الطواف بينهما مأخوذ من طوافها وتردادها في طلب الماء. ولفظه: " وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال: يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات ".
قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" فذلك سعي الناس بينهما، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا "
.. الحديث.
قال ابن كثير: لما ترددت هاجر في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، تطلب الغوث من الله تعالى متذللة، خائفة، مضطرة، فقيرة إلى الله عز وجل، كشف تعالى كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي طعامها طعام طعم، وشفاء سقم. فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأنه يلتجئ إلى الله عز وجل لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه - من الذنوب والمعاصي - إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر عليها السلام.