تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى النسائي بإسناد قوي عن زيد بن حارثة قال: كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس يقال لهما: " إساف ونائلة " كان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما... الحديث.

وروى الطبراني وابن أبي حاتم في التفسير بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال: قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية، فأنزل الله عز وجل: ﴿ إن الصفا والمروة... ﴾ الآية.

وروى الفاكهي وإسماعيل القاضي في " الأحكام " بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان صنم بالصفا يدعى " إساف " ، ووثن بالمروة يدعى " نائلة " ، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى بهما؛ وقالوا: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فانزل الله تعالى: ﴿ إن الصفا والمروة... ﴾ الآية.

وقد استفيد من مجموع هذه الروايات: أنه تحرج طوائف من السعي بين الصفا والمروة لأسباب متعددة فنزلت في الكل. والله أعلم.

وجواب عائشة، رضي الله عنها، لعروة هو من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ؛ لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه. ﴿ ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ﴾ ، أي: من فعل خيرا فإن الله يشكره عليه ويثيبه به. ومعنى: ﴿ تطوع ﴾ أتى بما في طوعه أو بالطاعة، وإطلاقه على ما لا يجب عرف فقهي لا لغوي.

والشكر من الله تعالى المجازاة والثناء الجميل.

قال الراغب: الشكر، كما يكون بالقول، يكون بالفعل، وعلى ذلك قوله تعالى:

اعملوا آل داوود شكرا

[سبأ: 13]؛ قال: وليس شكر الرفيع للوضيع إلا الإفضال عليه وقبول حمد منه.

تنبيهات

الأول: تمسك بعضهم بقوله تعالى: ﴿ ومن تطوع خيرا ﴾ على أن السعي سنة، وأن من تركه لا شيء عليه. فإن كان مأخذه منها: إن التطوع التبرع بما لا يلزم، فقد قدمنا أنه عرف فقهي لا لغوي، فلا حجة فيه. وإن كان نفي الجناح، فقد علمت المراد منه.

وممن ذهب إلى أنه سنة، لا يجبر بتركه شيء، أنس فيما نقله ابن المنذر وعطاء. نقله ابن حجر في الفتح.

وقال الرازي: روي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء، أن من تركه فلا شيء عليه. وأما حديث:

" اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي "

رواه أحمد وغيره، ففي إسناده عبد الله بن المؤمل، وفيه ضعف.

ومن ثم قال ابن المنذر: إن ثبت فهو حجة في الوجوب. ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح.

الثاني: صح

" أنه صلى الله عليه وسلم طاف بين الصفا والمروة سبعا "

، رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر. وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة:

" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو "

وأخرج أيضا من حديث جابر:

" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دنا من الصفا قرأ: ﴿ إن الصفا والمروة من شعآئر الله ﴾. " أبدأ بما بدأ الله به " فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره قال: " لاإله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا أ.ه. وظاهر هذا أنه كان ماشيا ".

وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت؛ وبين الصفا والمروة، ليراه الناس، وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه.

ولم يطف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا.

محاسن التأويل · الصفحة ١٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٥٧