تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.53

قوله تعالى: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ﴾؛ أي يستعجلك كفار مكة بالعذاب قبل وقته استهزاء وتكذيبا منهم بذلك، ﴿ ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب ﴾؛ أي لولا أن الله جعل لعذابه أجلا مسمى قد سماه وهو يوم القيامة. وقيل يعني مدة أعمارهم؛ لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب لعجل لهم العذاب في الحال، ﴿ وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾؛ بإتيانه.

29.54-55

قوله تعالى: ﴿ يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾؛ فيه تعجيب باستعجالهم مع أن جهنم محيطة بهم في الآخرة، جامعة لهم، ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾؛ فلا يبقى جزء منهم إلا وهو معذب في النار جزاء، ويقال لهم: ﴿ ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ﴾.

قرأ الكوفيون ونافع: (ويقول) بالياء، يعني الموكل بعذابهم يقول لهم ذلك، وقرأ الباقون بالنون؛ لأنه لما كان بأمره سبحانه جاز أن ينسب إليه.

29.56-60

قوله تعالى: ﴿ يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ﴾؛ قال مقاتل: (نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، تقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان) فاخرجوا منها وأمروا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه من عبادة الله، وكذلك يجب على كل بلد، من كان في بلد فعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته.

ثم خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة؛ فقال: ﴿ كل نفس ذآئقة الموت ﴾؛ أي كل أحد ميت أينما كان، فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت، ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ ، بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم. وقال سعيد بن جبير: (معنى الآية: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها، فإن أرضي واسعة)، وقال عطاء: (إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا منها، فإن أرض الله واسعة)، وقال مجاهد: (إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا).

وقال الكلبي: (نزلت في المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة لا يقدرون على إظهار الإيمان وعبادة الرحمن، فحثهم على الهجرة إلى المدينة، فشق عليهم وقالوا: كيف يكون حالنا إذا انتقلنا إلى دار الغربة وليس بها أحد يعرفنا فيواسينا، ولا نعرف وجوه الاكتساب فيها، فقطع الله عذرهم بهذه الآيات).

ومعناها: إن أرضي واسعة آمنة، وقيل: ﴿ واسعة ﴾ أي رزقي لكم واسع، فاخرجوا من هذه الأرض التي أنتم فيها. وعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ".

ثم ذكر ثواب من هاجر، فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾؛ يعني المهاجرين، ﴿ لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار ﴾؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لنسكننهم غرف الدرة والزبرجد والياقوت، ولننزلنهم قصور الجنة)، وقرأ حمزة والكسائي: (لنثوينهم) يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه، والمعنى: والذين آمنوا لننزلنهم من الجنة غرفا عوالي تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ﴿ خالدين فيها نعم أجر العاملين ﴾؛ لله.

ثم وصفهم فقال: ﴿ الذين صبروا ﴾؛ أي على دينهم فلم يتركوه لشدة لحقتهم، ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾؛ قال ابن عباس: (وذلك أن المهاجرين توكلوا على الله وتركوا دورهم وأموالهم). وقيل: معناه: ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ في أرزاقهم وجهاد أعدائهم ومهمات أمورهم.

قال مقاتل: (إن أحدهم كان يقول بمكة: كيف أهاجر إلى المدينة وليس لي بها مال ولا معيشة). فقال الله عز وجل: ﴿ وكأين من دآبة لا تحمل رزقها ﴾؛ أي وكم من دابة في الأرض؛ وهي كل حيوان يدب على الأرض مما يعقل ومما لا يعقل.

والمعنى: كم من نفس دابة لا تحمل رزقها؛ أي لا ترفع رزقها معها ولا تدخر شيئا لغد، ﴿ الله يرزقها ﴾؛ حيث توجهت، ﴿ وإياكم ﴾؛ يرزقكم إن أخرجتم إلى المدينة، وإن لم يكن لكم زاد ولا نفقة.

التفسير الكبير · الصفحة ١٤٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٤٨٦