العامر في أطرافها، ومن حيث يفترصون وقوع هذه الفتن الشاغلة لملك العربية
السعودية ومواتاة الأمير عبد الله وموالاته لهم لتحصين خليج العقبة، وتمكين قدم
اليهود في فلسطين وشرق الأردن بما ألصق بها من الحجاز؛ لينقضوا وصية
المصطفى صلى الله عليه وسلم (لا يبقى في جزيرة العرب دينان) .
سبحان الله: اليهود يؤسسون لهم ملكا في قلب بلاد العرب، وصاحبا جزيرة
العرب يمهدان لهم السبيل باشتغال كل منهما بقتال أخيه؟ في عهد الإمامين الجليلين
العاقلين التقيين الغيورين على الإسلام العارفين بحال الزمان؟
لو كان الزمان مواتيا، والعدو لاهيا، وحاول أحد عاهلي الجزيرة أن ينتزع
من الآخر بعض ما في يده من عسير أو نجران، أو القضاء عليه للانفراد بالملك
في هذه الجبال والأودية لهان الخطب، ولتمنى رجال السياسة العربية الجامعة أن
يقضي الأقوى أو الأصلح على الآخر ويريح الأمة من هذا الشقاق إن كان ممكنا،
ولكن كل عارف بحال هذه البلاد وأهلها وقواتها يعلم أن هذا الأمر غير مستطاع
الآن، ولا مصلحة فيه لهذا ولا لذاك، فإن الأجانب الطامعين واقفون لهما بالمرصاد،
بيد أن هذا العلم إجمالي لم يترتب عليه ما يجب من صيانة البلاد.
إن كاتب هذه السطور ربما كان من أعلم الناس بحالة العرب عامة، وحالة
الإمامين العظيمين خاصة، وهو أصدق ناصح لكل منهما، يسعى للتأليف بينهما
منذ ثنتين وعشرين سنة، وتواتر السعي والمكاتبة لكل منهما منذ اشتد الخلاف،
وقد كتبت إلى كل منهما أخيرا أن جزيرة العرب إرث محمد صلى الله عليه وسلم
لأمته، ومعقل دينه ومأرزه، لا ليحيى حميد الدين ولا لعبد العزيز آل سعود، وإنما
هما الأمينان على هذا الميراث، فيجب عليهما التعاون على حفظه والدفاع عنه.
ويؤسفني أن أرى الذين تصدوا لمثل هذا السعي في مصر، قلما يعلمون شيئا
من حقيقته، وكنه الأخطار التي تخشى من عاقبته، وقد دب إليهم دبيب الشقاق
والتنازع فيما يفاخر بعضهم بعضا بالسبق إليه، وحق الأولية أو الأولوية فيه،
ولسان الحال يصيح بهم أصلحوا ذات بينكم، قبل أن تحاولوا الإصلاح بين من هم
أقرب إلى الصلاح والإصلاح منكم، وهما الإمامان العظيمان يحيى وعبد العزيز،
فإن الرجاء في أن يفيئا إلى أمر الله لم ينقطع منهما، وإن وقعت الحرب بفساد
الحزب الحجازي الخبيث بينهما، وإيهامه قائد جيش اليمن بأن جميع قبائل عسير
والحجاز وغيرهما ستثور على الملك السعودي في الشمال والشرق في إثر مناجزته
له في الجنوب، وتوجيه قواه إليه، ونحن نقرأ في جرائدنا مقالاتهم الناطقة بذلك
من مصادرها في اليمن وعدن ومن مصر أيضا. ومنهم من يدافع عما نال الأجانب
من الغنيمة في اليمن، وقد شغلوا الجمهور الإسلامي عما يعملون في العقبة،
وجيوش اليمن ممتدة على طول خطوط الحدود كلها، وقد واجهتها الجيوش
السعودية فيها أو كادت.
لقد أبصر العمي، وسمع الصم، ونطق البكم، ولم يبق خفيا على أحد يعقل
ما يكيد أعداء الإسلام الطامعون لمهد الإسلام، وقبلة الإسلام، ومعقل الإسلام
ومأرز الإسلام، وروضة نبي الإسلام، سيد البشر، ومصلح البشر، محمد عليه
أفضل الصلاة والسلام.
وهب الشريف علي ملك الحجاز (بالأمس) وأمير شرق الأردن (اليوم)
أعظم ثغور الحجاز ومعاقلها وحصونها البحرية البرية لأخيه الشريف عبد الله، ألا
وهو خليج العقبة، وما يتصل به من سكة حديد الحجاز المتصلة بالمدينة المنورة،
فجعلاه تابعا لإمارة شرق الأردن الواقعة تحت سيطرة الإنكليز؛ ليتمكنوا به من
السيطرة على جزيرة العرب في قلبها، كما أحاطوا بها من أطرافها، وليكون البحر
الأحمر العربي الإسلامي بحيرة إنكليزية لا يمكن لدولة بحرية ولا برية أن تنازع
الإنكليز سلطانهم عليه، ولا على ما يحيط به من مصر والسودان من ناحية، ومن
فلسطين والحجاز واليمن والعراق من سائر النواحي، إذ كانوا معتصمين في هذا