ما قول فضيلتكم في رجل قال لامرأته إثر مشاجرة وهو يعي ما يقول: (أنت
طالق ثلاثا) هل يقع عليه بذلك ثلاث طلقات أم يقع عليه طلقة واحدة؟ أفيدونا ولكم
الثواب من الله تعالى.
(ج) إن هذه المسألة من المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف بين
السلف والخلف، فظاهر قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ (البقرة: 229) أن حل
عقدة الزوجية الذي يملكه الرجل ويملك الرجعة بعده مرتان، أي مرة بعد مرة،
وبين حكم الثالثة بقوله: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (البقرة:
229) فالمرة من الشيء هي الفعلة الواحدة فوصفها بالكثرة لغو باطل لغة وشرعا
وعرفا، فإن التعدد من الفعل أو القول تكراره مرة بعد أخرى. وفي صحيح مسلم
وغيره أن الطلاق الثلاث باللفظ الواحد كواقعة السؤال كان يعد طلقة واحدة في عهد
النبي صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ثم أمضاه عمر
على الناس، والظاهر أن إمضاءه عقوبة لهم ليكفوا عنه لمخالفته للمشروع، والله
أعلم.
وأخذ جمهور العلماء بهذا وبقي فيهم من يفتي بالأول وهو الأصل، وقد
اعتمدته الحكومة المصرية في محاكمها الشرعية في هذا العصر، وهو الذي أعتقده
وبسطت أدلته في تفسير الآية من جزء التفسير الثاني، وفي مواضع من مجلة
المنار. فمن وقع له ذلك، وكان من أهل النظر والفهم فعليه أن ينظر في أدلة
المسألة التي بسطناها نحن وغيرنا ويعمل بما يراه الأرجح من جهة الديانة، ومن لم
يكن من أهل النظر استفتى من يثق بعلمه ودينه وعمل بفتواه. وأما من جهة
القضاء إذا اختلف مع مطلقته في ذلك فالواجب اتباع ما يقضي به قاضي بلده فإن
حكم الحاكم الشرعي يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية دون القطعية.
* * *
(95) الصفات المستحيلة على الخالق تعالى:
حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ المصلح الكبير السيد محمد رشيد رضا
منشىء مجلة المنار بالقاهرة.
مقدمه لفضيلتكم عبد الله أوانج القطاني الطالب برواق الجاوه بالأزهر
الشريف، وبعد فإنني تلقيت خطابا من جدي وهو من العلماء المدرسين في بلدنا
(فطاني بسيام) وأمرني فيه أن أرفع السؤال الآتي إلى علماء مصر لأنه حصل
نزاع فيه بين العلماء الموجودين هناك لعلهم يجدون من الجواب مخلصا وقاطعا لذلكم
النزاع، أرفع إلى فضيلتكم ملتمسا أن تفتوا في هذه المسألة إلي مباشرة برواق
الجاوه بالأزهر لأرسل ذلكم الفتوى إلى هناك.
(استحالة المستحيلات) هل هي من الصفات الواجبة لله تعالى من الصفات
السلبية أو لا؟ هذا هو السؤال فالرجاء من فضيلتكم أن تفتوا بأدلة صريحة مقنعة
ولفضيلتكم جزيل الشكر، وتفضلوا بقبول فائق التحيات ووافر الاحترام.
... ... ... ... ... ... ... المقدم: عبد الله أوانج الفطاني
(ج) قوله: (استحالة المستحيلات) ليس صفة لله تعالى ولا لغيره،
وليس كلاما له معنى يسأل عنه، لكن المفهوم بالقرينة أنه أراد به ما اصطلح عليه
بعض المتكلمين من تقسيم الصفات إلى وجودية وسلبية، وواجبة ومستحيلة،
فصفات الكمال هي الواجبة لله تعالى كالقدم والبقاء والعلم والقدرة، وصفات النقص
هي المستحيلة كالحدوث والفناء والجهل والعجز.
والقاعدة: أن ما يجب له من صفات الكمال وجودية كانت أو سلبية فضدها
يستحيل عليه، وقد خلط السائل بعضها ببعض فلا يعرف مراده من عبارته، على
أن هذا الاصطلاح لم يرد في كتاب الله تعالى ولا في كلام رسوله صلى الله عليه
وسلم ولا في أقوال الصحابة وأئمة السلف فهو مبتدع لا يجب على أحد من
المسلمين علمه، ولا يحرم عليه جهله، وإنما الواجب عليه أن يصف الله تعالى بما
وصف به نفسه في كتابه وبما صح عن رسوله وصفه به، وأن ينزهه عما نزهاه
عنه، وأن يسكت عما سكتا عنه، مع اعتقاد اتصافه بكل كمال وتنزهه عن كل
نقص. وأن يتبع جمهور السلف الصالح دون ما خالفهم به المتكلمون بفلسفتهم
ونظرياتهم الكلامية، وقد بينا هذا بالتفصيل مرارا كثيرة في التفسير، وفي المنار