﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ (النمل: 62) وقوله في آخر سورة الأنعام: {وهو
الذي جعلكم خلائف الأرض} (الأنعام: 165) ومثلها آيات. وخلافة آدم فيها
وجهان: أحدهما أنه هو وذريته يخلفون أمة من الخلق كانت قبلهم. والثاني أنه خليفة
لله تعالى في أرضه يظهر هو وذريته حكمه وأحكامه وسننه في خلقه بجعلهم مستعدين
لمعرفة كل نوع من أنواع المعلومات، وهذا خاص بهم في جملتهم لا يشاركهم
فيه جنس آخر من العوالم الظاهرة ولا المغيبة. وما قصه الكتاب علينا من قصة آدم
وتوبته أحد هذه المظاهر والاستعداد للأمور المتعارضة.
فخلافة آدم لم تكن كخلافة أبي بكر رضي الله عنه لمحمد صلى الله عليه وسلم
في إقامة شرعه، ولا كخلافة داود عليه السلام للحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.
(54-56) معصية آدم ورسالته:
إن جميع الأسئلة مبنية على أن آدم كان نبيا رسولا إلى قوم بشرع ينفذه فيهم،
وأن معصيته تنافي رسالته على ما هو مقرر في كتب العقائد من عصمة الرسل
عليهم السلام، والواقع أنه لم يكن مع آدم في جنته قوم، ولم يكن له شرع، وإنما
امتحنه الله وهو وزوجه بالنهي عن الأكل من شجرة معينة؛ لإظهار استعدادهما
البشري لكل من المعصية والطاعة كما قلنا آنفا.
ولم يكن آدم في ذلك الطور مرسلا إلى أحد فيكون قدوة سيئة له في المظهر
الأول. وإنما أرسل الله الرسل إلى الأمم بعد طور الحضارة وفساد الفطرة وظهور
الشرك فيها، وأولهم نوح عليه السلام. وقد فصلنا كل ما يتعلق بقصته في مواضع
أبسطها ما في سورة البقرة من ص 258-280 ج أول تفسير وص 338-357 ج
8، وحققنا مسألة معصيته في ص 513 وعدم رسالته في ص 602 كلاهما في ج
7 طبعة ثانية منه.
فنحن لا نزيد شيئا من تلك التفصيلات هنا، وإنما على السائل الفاضل أن
يراجعها في مواضعها التي بيناها، فإن رأى بعد ذلك حاجة إلى استفتاء آخر في
موضوعها فليتفضل به.
قارون وما قاله المفسرون فيه
(س 57) من سعادة صاحب الإمضاء في فم الخليج بمصر
حضرة صاحب الفضيلة العالم الجليل الأستاذ الشيخ السيد رشيد رضا حفظه
الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فقد ورد في التفاسير عن قارون أنه
كان تابعا لموسى عليه السلام وكان يحفظ التوراة، وكان من السبعين الذين اختارهم
للميقات وغير ذلك مما جاء عنه كما هو معلوم لحضرتكم، ولكن أظن أن التعبير
بأن قارون كان من قوم موسى ليست له الدلالة الكافية على إيمانه نظير قوله تعالى
في سورة الممتحنة: ﴿إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾ (الممتحنة: 4) الآية وقد جاء في سورة المؤمن: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا
وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} (غافر: 23-
24) وقال الله تعالى في سورة العنكبوت بعد أن ذكر عادا وثمود وقارون وفرعون
وهامان {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة
ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا} (العنكبوت: 40) .
قال بعض المفسرين: قدم قارون على فرعون وذكرت عقوبته قبل عقوبة
فرعون لسبق حادثته، وإذا صح هذا فكيف جاوز البحر مع موسى وحضر الميقات
وحفظ التوراة وآمن بموسى. أرجو التكرم بإفادتنا عما ترونه في ذلك؛ خدمة للعلم
نفع الله بكم الإسلام والمسلمين.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... المخلص
... ... ... ... ... ... ... ... ... السيد شكري باشا
(ج) إن قصة قارون مثل ضربه الله للباغين الطاغين بغناهم ودثورهم
وموضوعه من أخبار الغيب الماضية، والذي نراه أن ما ذكره المفسرون عنه كله
من الإسرائيليات التي لا يعتد بشيء منها، فلا ينبغي أن نزيد في قصته على ما
جاء في التنزيل شيئا. ومنه أنه كان كافرا باغيا ضالا فانتقم الله منه، وجعله عبرة
لغيره.
* * *
الطلاق الثلاث باللفظ الواحد
(58) من مستفت في فلسطين وأجيب عنها بكتاب خاص في العام الماضي.