تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عما يعرض عليه مما لم ير حكمه فيه، ويجد هؤلاء وأمثالهم معارضين في بعض

البلاد من مقلدة بعض المذاهب لما يخالف مذهبهم، ولكنهم لا يعنون بنشر مذاهبهم

وحمل الناس عليها، بل يتركونهم فوضى في أمر دينهم لا يبالون بتركهم للفرائض

ولا باقترافهم لكبائر المعاصي، وإنما يهتمون بمعارضة بعض المسائل التي تخالف

مذهبهم كصلاة الجمعة بما دون أربعين رجلا حرا بالغا مقيما في داخل سور البلد لا

يظعن عنها، وإن أدت هذه المعارضة إلى ترك الجمعة ألبتة، فإذا صار للمسلمين

إمام وجماعة من أهل العلم الاجتهادي والعدالة يستمد منهما دعاة الإصلاح العلم

والإرشاد، فإنه لا يلبث أن يعم ذلك مسلمي جميع البلاد.

وقد سبق لنا أن اقترحنا في المجلد الأول من المنار ضروبا من الإصلاح على

مقام الخلافة الإسلامية الرسمي - وإن كانت خلافة تغلب - لأن بلادنا كانت خاضعة

لحكمه، ونود أن يقوم بالحق بقدر طاقته، فكان جزاؤنا على مثل هذا الاقتراح منع

المنار أن يدخل البلاد العثمانية، وإيذاء أهلنا وأصدقائنا في الديار السورية.

ولا غرو فذلك الخليفة نفسه كان جاهلا بأصول الدين وفروعه وبما يصلح به

حال المسلمين ويفسد، وأعوانه جهلاء وأصحاب أهواء، فهم لا يبلغونه أمثال تلك

الاقتراحات، وإذا ذكروها له شوهوها، وجعلوا حقها باطلا، وصلاحها فسادا،

وهو يصدقهم، ولا يطمئن لخبر غيرهم، وفاقد الشيء لا يعطيه.

وجملة القول أن الجهل الغالب على أكثر المسلمين والتعصب المذهبي المفرق

للكلمة بين المتعلمين للدين منهم - لا يمكن تلافي ضررهما في زمن قصير إلا بإقامة

خلافة النبوة على وجهها الذي لا يسهل على أحد أن يماري فيه مراء ظاهرا،

ويكفي أن يعتقد صحتها السواد الأعظم من المسلمين لموافقتها لمذاهبهم وهم

المنتمون إلى مذاهب أهل السنة، والزيدية من الشيعة، والإباضية من بقايا الخوارج،

وهؤلاء إذا كانوا لا يشترطون في الإمام ما يشترطه أهل السنة والزيدية من

النسب فهم لا يشترطون عدمه، وما لنا لا نتحرى فيه المذهب الذي يستلزم غيره

كاستلزام مذهب الزيدية لمذهب السنة والخوارج استلزام الأخص للأعم والمقيد

للمطلق؟

إن هذا لهو القول الحق الذي تقوم به المصلحة الإسلامية العامة وما عداه مما

يقبله أتباع كل ناعق بباعث السياسة الحاضرة فهو غثاء، وسيذهب جفاء، ومنه

يعلم أن ما قررته حكومة أنقرة باطل في نفسه، ولا يفيد العالم الإسلامي أقل فائدة،

بل قد كان سببا منذ الآن لشقاق في الشعب التركي الذي يرجح جمهوره الهداية

الإسلامية على نظريات القوانين والتقاليد الإفرنجية، فإن في مجلس الجمعية

الوطنية حزبا كبيرا يرى أن المصلحة تقضي بوضع الخليفة في الموضع الذي

وضعته فيه الشريعة بأن يكون هو رئيس الحكومة والمنفذ للأحكام. نعم إن حزب

الغازي مصطفى كمال باشا المصر على رفض كل سلطة شخصية في الحكومة

التركية العليا سواء كانت باسم الخلافة أو غيرها - هو صاحب القلب في المجلس

الحاضر، ولكن سبب ذلك تأثير هذا الرجل وحزبه من قواد الجيش في الأنفس مما

لهم من المنة في إنقاذ الدولة من الخطر - لا أن هذا هو رأي الأمة التركية، ولو

استفتيت الأمة استفتاء حرا لخالفت هذا الحزب في هذه المسألة. هذا هو الحق.

وسيعلم العالم الإسلامي أننا قد قمنا بهذا البيان بما أمرنا الله تعالى به من

التواصي بالحق والتواصي بالصبر، بالنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين

وعامتهم، فيرجع إلى رأينا من يخالفه اليوم كما رجعوا إلى رأينا في السلطان عبد

الحميد ثم في جمعية الاتحاد والترقي، والعاقبة للمتقين.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: أبو الكلام

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٩٤