تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المتغلب شرعا ولو فيما وافق الشرع إلا على من هو متغلب عليهم، فقد كان

السلطان عبد الحميد يدعي الخلافة؛ ولما لم يكن مستجمعا لشروطها ولا قائما

بواجباتها لم يكن مسلمو الأفغان واليمن ونجد والمغرب الأقصى يؤمنون بصحة

خلافته، ولا يعتقدون وجوب طاعته، فيجعلوا حكوماتهم تابعة لدولته. بل لم يكن

أهل مصر الذين كانوا تحت سيادته السياسية معترفين بخلافته يقبلون أن يكون له

عليهم أمر ولا نهي، وإنما كان اعترافهم أمرا صوريا معنويا، يتوكأون عليه في

مقاومة السيطرة البريطانية عليهم، كما هو شأنهم وشأن أمثالهم في الاعتراف

بالخلافة الاسمية الحديثة في الآستانة على ما بيناه في موضعه من هذا البحث،

وهذه الخلافة الحديثة لا تبلغ درجة التغلب فإن الذين ابتدعوها لم يجعلوها ذات أمر

ولا نهي في حكومتهم.

وأما إذا نفذ ما اقترحناه وبينا طريقه من إقامة الإمامة الحق، ولو في بقعة

صغيرة من الأرض، فإن جميع العالم الإسلامي يذعن لها إذعانا نفسيا منشؤه العقيدة

الدينية، ولا تجد حكومة من الحكومات الإسلامية مجالا للطعن فيها، ولا يكون

لأحد من المصطنعين للأجانب سبيل لإنكارها، وحينئذ يسعى كل شعب إسلامي

للاعتصام بها، فالشعب الذي لا يستطيع أن يتبع حكومة الإمام الحق لقهر دولة قوية

له يجتهد ويتحرى أن يتبع جماعة المسلمين وإمامهم كما أمره الله ورسوله فيما لا

سيطرة لحكومته عليه فيه من نظام التربية الدينية والتعليم الإسلامي والأحكام

الشخصية، بل قد تضطر كل حكومة مسيطرة على شعب إسلامي أو تستميله بقدر

ما ترى فيه من الوحدة والرأي العالم بموادة خليفة نبيه والسماح له بأن يتلقى

الإرشاد الديني من قبله كما هو شأن الكاثوليك مع البابا.

ولعل هذا بعض ما يقصد إليه الترك من إيجاد خليفة روحاني كالبابا

والبطاركة عند النصارى، ولكن المسألة دينية شرعية يجب فيها الاتباع، ولا يمكن

أن تنجح بالمواضعة والابتداع، وإن كان يود ذلك الكثيرون ممن يقدمون السياسة

على الدين، وقد جهل هذا بعض الذين أظهروا استحسان عمل الترك، وتجاهله

بعض آخر أو غفل عنه، وظن كل منهم أن هذا كاف في حصول ما يرغبون فيه

من نكاية أعداء الإسلام وغيظهم، وشد أزر الشعب التركي ومؤازرته عليهم، وذلك

ظن الجاهلين بشئون العالم وسياسة الدول ودرجة اختبارها، كما نبينه في المسألة

التالية.

لعلنا من أدرى الناس بما يترتب على إقامة الإمامة الحق من الإصلاح في

العالم الإسلامي بما لنا من الاختبار، وكثرة ما يرد علينا من الرسائل والمسائل من

الأقطار، ومن أحدثها سؤال ورد من قطر إسلامي عن أقل ما يكون به الإنسان

الجاهل الأعجمي مسلما؛ لأن أهله أجهل وأضل من مسلمي (بنكوك - سيام) الذي

وصف لنا سوء حالهم من سألنا عن صحة إسلامهم ونشرناه في المنار من قبل. وقد

بقي عند كل منهما بقية ممن يدعي العلم يحفظون من مذهب الإمام الشافعي (رضي

الله عنه) أحكاما اجتهادية يحتمون على الناس العمل بها في صلاة الجمعة وغيرها

فأدى ذلك إلى ترك صلاة الجمعة فترك صلاة الجماعة من بعضهم، بل إلى ترك

الصلاة ممن يعسر عليهم حفظ الفاتحة وتجويدها بإخراج الحروف من مخارجها

وتشديد المشدد منها ولا سيما الياء في ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (الفاتحة: 5)

فإن تخفيف المشدد فيها مبطل للصلاة عند الشافعية.

ومن أحدثها سؤال بعض أهل العلم في جاوه عن حكم ما جروا عليه بأمر

حكامهم المسلمين من إلزام كل من يتزوج بأن يطلق المرأة التي يعقد عليها عقب

العقد طلاقا معلقا على التقصير في النفقة عليها أو ضربها أو على الغيبة عنها

وتركها بغير نفقة بالصفة التي يرى القارئ بيانها في باب الفتوى من المنار.

إن كثيرا من أهل العلم الساعين لإصلاح حال المسلمين في الأقطار المختلفة

يعملون بما ننشر في المنار من الحقائق الدينية بالأدلة التفصيلية، ويسألنا بعضهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٩٣