تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

زماننا أجمعوا على تسمية شيء من الأشياء مصطلحين عليه، فكنا نستدل بذلك على

اصطلاح كان قبلهم، وقد كان للصحابة من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاء به

وما علمناهم اصطلحوا على اختراع لغة أو إحداث لفظة لم تتقدمهم. وقال في

مبحث آخر من ذلك الكتاب. ليس لنا اليوم أن نخترع ولا أن نقول غير ما قالوه ولا

أن نقيس قياسا لم يقيسوه؛ لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها. أغلق ابن

فارس الباب في وجه من يريد إحداث كلمة وإدخالها في سلك اللغة ولكنه يبيح

لأصحاب العلوم والفنون الاصطلاح على كلمات ينقلونها من معانيها اللغوية

ويضعونها بإزاء معان خاصة، بيد أنه يفرق بين الوضع العربي والوضع العلمي

فيسمى الأول اسما لغويا والثاني اسما صناعيا.

والحق أن اللغة في حاجة إلى أن يبقى الطريق إلى وضع أسماء الأجناس

مفتوحا مثلما بقي طريق وضع الأعلام الشخصية يسلكه الناس فيما يزداد لهم من

الولد أو يحدثونه من الضيعات والقرى، فإن الأعصر ما برحت تكشف لنا من معان

لم تظهر أيام كانت اللغة تتسع وتنمي بالألفاظ التي تجري على ألسنة الناطقين بها

عن سليقة المتلقين لها من أفواه المرضعات ورعاء الشاء، وليس من الممكن أن

نصرف ألسنتنا عن التعبير عن هذه المعاني بعد أن اندمجت في متاع البيت

والتصقت بما يتخذه الناس من الملابس ويمتطونه من المراكب ويرتفقون به من

وسائل الحياة.

ومما يشوه وجه المقالة أو القصيدة أن نضع في نسقها أسماء هذه المعاني

الموضوعة في قالب لغة أجنبية ونتلفظ بها على علاتها من غير تهذيب وسبك يؤلف

بينها وبين ما هو عربي أصيل.

فالعربية توسع صدرها لاقتراض الاسم من لسان آخر، ولكن بعد تنقيحه

وصبه في قالب يطابق موضوعاتها الأصلية، وهي مع ذلك في سعة وغنى بما

ملكته من المواد الغزيرة والتصاريف التي تساعد على أن نستمد منها أسماء لأي

معنى خرج إلى حيز الوجود.

وإنما يستقيم هذا العمل إذا نهضت له جماعة ذات اطلاع واسع وأذواق سليمة

فيتخيرون أو يشتقون للمعاني الحديثة أسماء مقبولة، فيبقون على هذا اللسان حياته

ويحفظونه من أن يتسع فوق فاقته فتتسرب إليه قطع من لغة أخرى.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: عن جريدة يقظة العرب الأمريكية

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٠٠