الأولون يكلفون أهل البلاد ضيافة ثلاثة أيام، لضرورة الحاجة إلى القوت وعدم
تيسر أسبابه بالطرق النظامية المتبعة في هذه الأيام، وأما الجزية والخراج اللذان
يفرضونهما على أهل البلاد فهما أقل مما تفرضه كل حكومة من حكومات الأرض
على أبناء جنسها في بلادها، دع ما تفرضه الحكومات الأوربية في مستعمراتها،
فهو يستغرق معظم غلات أرضها، فلا يبقى لأكثر أهلها منها إلا ما يسد الرمق،
ويستعين به على مداومة العمل، وقد قرأنا في الصحف ما فرضه الألمان على أهل
بلجيكة من الغرامات، وما حملوها من الأثقال، بعد ما حل بهم ما حل من الخزي
والنكال، فإذا هو مما تعجز عن حمله الجبال لا الجمال، ولا غرو فإن كل حظ
أهل هذه المدنية المادية من الحياة والدافع لها إلى القتال، إنما هو الاستكثار من
جمع الأموال، والتمتع باللذة، والعظمة، والسلطة، والجاه، ولو ظفر البلجيكيون
بالألمان، لأنزلوا بهم الخزي والهوان، وعاملوهم كما عاملوا أهل الكونغو منذ
أعوام، فأين هذا من عفة المسلمين ولا سيما الصحابة الكرام.
روى البلاذري في فتوح البلدان عن سعيد بن عبد العزيز قال: بلغني أنه لما
جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم عليهم لوقعة اليرموك ردوا
على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم
والدفع عنكم، فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما
كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم، ونهض
اليهود فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب ونجهد،
فأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى
واليهود، وقالوا إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه،
وإلا فإنا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد، فلما هزم الله الكفرة (يعني الروم، أي
الرومانيين) ، وأظهر المسلمين فتحوا مدنهم، وأخرجوا المقلسين، وأدوا الخراج.
اه.
وفي رواية أحفظها ولا أتذكر موضعها الآن أن الصحابة لما ردوا ما كانوا أخذوا
من الجزية قالوا إنا كنا أخذناها جزاء حمايتكم والدفاع عنكم، وقد عجزنا الآن عن
ذلك، فحلف الأهالي أن أبناء دينهم ما كانوا ليرجعوا مالا أخذوه ... إلخ.
فهل عهد من فاتح في الأولين والآخرين أن يرد الخراج إلى أهل البلاد التي
يفتحها، بناء على أن الخراج لا يباح أخذه إلا لأجل حفظ البلاد والدفع عنها، وأن
العجز عن ذلك وإن كان في سبيل الدفاع عن تلك البلاد يوجب رد الأموال إلى
أصحابها؟ لا لا، إن هذا العدل والورع لم يعرفه البشر إلا من الصحابة - رضي
الله عنهم -، فإن كان من وليهم من خلفاء العرب وأمرائهم دونهم، فهم يفضلون
سائر الأمم في رفقهم وقناعتهم.
كان بنون أمية أحرص العرب على نعيم الملك وسعة العيش، فخرجوا في
كثير من أمر السلطة والتصرف في بيت المال عن السنة المتبعة وسيرة الخلفاء
الراشدين، وإنما استقام عليها منهم عمر بن عبد العزيز، أما سيرتهم في الغزو،
والقضاء بين الناس، وإدارة البلاد فكانوا يتحرون فيها العدل والرحمة، وكذلك
كانت سيرة العباسيين في الشرق، والأمويين في الغرب (أي الأندلس) ، ومن شذ
عن ذلك لغير سبب حفظ الملك كان مذموما، وعرضة للعقاب، وقد تضاعفت ثروة
الممالك، واستبحر عمرانها بعد أن انتزعوها من الروم والفرس، بما كانوا
يسوسونها به من الرحمة والعدل، ولم يفطن لهذا بعض الكتاب الذي انبرى في هذه
الأيام إلى ذم ولاة العرب بكونهم لم يكن لهم هم إلا جباية الخراج، وقوله - في
أفراد منهم - إنهم لم يفعلوا شيئا للبلاد، أو لم يقل فلان المؤرخ إنهم فعلوا شيئا،
وهو يعلم علما ضروريا أن عدم القول لا يستلزم عدم الفعل، وإن ما سكت عنه زيد
يجوز أن لا يسكت عنه عمرو، ويعلم علما نقليا أن مزية الفاتحين الأولين من