محذوف (فمعنى صدق المرسلين) ، صدق أقوالهم، فإذا عدي التصديق بالباء كان
متضمنا لمعنى الإيمان، فكان تصديق اعتقاد محله القلب، فالتصديق بالنبي هو
الإيمان بنبوته، لا قولك بلسانك إنه صادق، ولا فعلك فعلا يدل على صدق كلام قاله
وأما تصديقه فيشمل هذا وذاك، والمصدق باللسان قد يكون غير مصدق بالقلب،
وحقيقة معنى تضمين فعل معنى آخر هو أن تضم معناه إلى معنى الفعل الأصلي
بتعديته إلى ما يتعدى إليه؛ لكي يدل على معناه أولا وبالذات، وتبقى دلالته على
معناه الأصلي مرادة، ولو على سبيل اللزوم والإكمال كقوله تعالى {ولا تأكلوا
أموالهم إلى أموالكم} (النساء: 2) ، أي لا تأكلوها بضمها إلى أموالكم لتكون
ربحا لكم ككسبكم، وهذا لا ينافي الأكل منها بمخالطة اليتيم، وإشراكه مع الوصي في
المعيشة، مع اتقاء الوصي قصد الربح منه، كما أنه لا ينافي ضمها إلى أمواله
لحفظها معها لليتيم لا لنفسه.
وقد استعمل التصديق في القرآن متعديا بالباء في أربعة مواضع:
1- قوله تعالى حكاية لبشارة الملائكة لزكريا: {أن الله يبشرك بيحيى
مصدقا بكلمة من الله} (آل عمران: 39) .
2- قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ (الزمر: 33) .
3- قوله تعالى: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه﴾ (التحريم: 12) ، أي
السيدة مريم عليها السلام.
4- قوله: ﴿وصدق بالحسنى﴾ (الليل: 6) ، فكل موضع من هذه
المواضع يراد بالتصديق فيه الإيمان المستلزم للتصديق اللساني، والحسنى صفة
لمحذوف قيل هو كلمة التوحيد، واختار شيخنا أنه الشريعة والملة.
والإيمان يتعدى بنفسه بالباء، وإذا تعدى باللام كان متضمنا لمعنى الاتباع،
كما لا يخفى على من استقرأ استعماله في الكتاب العزيز، وكلام فصحاء العرب
والله أعلم.
***
أول الخلق وكونه
نور النبي صلى الله عليه وسلم
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (تأخر كثيرا)
(س2) من صاحب الإمضاء في الجامع الأزهر.
فضيلة الأستاذ! بعد تقديم اللائق بمقامكم، أعرض على حضرتكم مسألة
طالما تكررت على مسامعنا، ولم نفقه لها معنى، وسألت عنها بعض مشايخي
بالأزهر، فأجابوا بأنها من مواقف العقول فأرجو من فضيلتكم الشرح عنها.
سمعنا أن الأشياء خلقت من نوره - صلى الله عليه وسلم -، وأنه موجود
قبل الكائنات، فما معنى النور الذي خلقت منه الكائنات؟ ، وكيف يقبل القسمة مع
أنه من المكيفات؟ ، وكيف يكون النبي أولا وآخرا؟ أجيبوا لا زلتم للدين منارا.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كاتبه
... ... ... ... ... ... ... ... أحمد مصطفى السقا
(ج) ما يذكر في الموالد، وبعض الكتب من كون أول الخلق نور النبي -
صلى الله عليه وسلم - لا يصح منه شيء، فما يبنى عليه من الإشكال ساقط،
يصدق عليه ما قلناه في الأمر الثاني من جواب السؤال عن عدد صفات الله تعالى،
وعلمه بها (في ص 739 م 17) .
وتجدون البحث في مسألتكم مفصلا في (ص865-869) من مجلد المنار الثامن.
***
كتاب الجفر
وحديث الاستعاذة من الحور بعد الكور
(س3و4) من صاحب الإمضاء في جهة أبي كبير (الشرقية)
حضرة السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار المنير
السلام عليكم ورحمة الله، وبعد فنرجو أولا التكرم بإفادتنا عن كتاب الجفر
المنسوب للإمام علي - كرم الله وجهه - هل هو صحيح أو باطل، وما هي أدلة
المثبتين، وما هي أدلة النافين، وما هو رأيكم الخاص.
ثانيا: ما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: (نعوذ بالله من الحور بعد
الكور) .
... ... ... ... ... ... ... ... هذا وتنازلوا بقبول فائق احترامي
... ... ... ... ... ... ... ... أبو هاشم علي قريط
(ج) أما كتاب الجفر فلا يعرف له سند إلى أمير المؤمنين، وليس على
النافي دليل، وإنما يطلب الدليل من مدعي الشيء، ولا دليل لمدعي هذا الجفر.
وأما معنى الحديث فقد قال ابن الأثير في النهاية: (نعوذ بالله من الحور بعد