روسيا أن النمسا ليست بالعدوة الرهيبة لو لم تكن تعضدها ألمانيا، وأن خير طريقة
لكسر شوكة النمسا هي إضعاف ألمانيا وساعدته الظروف، والحنكة السياسية،
فأبان لروسيا مطامع ألمانيا، وما صنعته مع روسيا في معاهدة برلين وغيرها، وقد
نجح دلكاسه في سياسته نجاحا باهرا، إذ أضاف إلى الحقد الكامن في قلوب الشعب
حقد الحكومة الروسية، فتراخت العلائق بين الحكومتين، وسعى القيصر للتملص
من ربقة نفوذ إمبراطور ألمانيا عليه، وخصصت حكومته عشرة مليارات ليرة
لنظارة الحربية لسنة 1913، واشترت بتسعة وعشرين مليونا من الليرات
أوتوموبيلات حربية وأضافت عددا عظيما إلى جيشها الهائل، وجعلت الخدمة
العسكرية في بعض الفرق أربع سنوات، وأرادت تغيير المعاهدة التجارية بينها
وبين ألمانيا، وضربت رسما باهظا على القمح الوارد من ألمانيا إلى فنلندا،
وأطلقت سراح الصحافة؛ فأثارت على حكومة برلين عواطف السلافيين، ومكنت
الحقد بين الشعبين، وكان المسيو دلكاسه العامل في كل ذلك الذي وصل إلى هذه
النتيجة.
وكانت الأمة الروسية قد رأت خيلاء الأمة الألمانية؛ فهالها أمرها لاسيما
وهي تنظر إليها نظرة جار يود ضرر الآخر، تجارة، وصناعة، وسياسة. أضف
إليه الحقد المتولد في قلوب السلافيين ضد الجرمانيين، وتصرف بسمارك نحو
روسيا في معاهدة برلين كما قلنا بعد أن كان حليفها سنة 1878، وقلما ترى الآن
في روسيا من يحب ألمانيا، حتى من أولئك الذين يجري في عروقهم الدم الألماني
أو النمساوي كالبولونيين في بوزين، وفرسوفيا والتشك في برات، والصرب
والكروات في إغرام وبلغراد، حتى في طيات قلوب البلغاريين في صوفيا، وهذا
الحق المنفجر في جميع جوارح السلافيين أرغم حكومة بطرسبرج على الانتصار
للصربيين، وشهر الحرب على النمسا، وقد أرادت حكومة القيصر أولا أن تتخذ
من السلافيين حقدهم لرشق نباله في صدور النمساويين فقط، وذلك لأن ألمانيا قد
لعبت دورا مهما في بلاط روسيا لوجود عدد عظيم من الدوقات الألمانيات في
القصر الإمبراطوري - كماريا بافلوفنا قرينة الغراندوق فالديمير وإليزابت
فيودوروفنا شقيقة القيصر، ورئيسة دير كبير الراهبات، ودوقيات أولدنبرغ
وليستنبرغ، والإمبراطورة ألكسندرا - وعدد عظيم من القواد، والضباط، وولاة
الأمور الألمانيي الأصل الذين يشتغلون بجميع قواهم لزيادة متانة العلاقات بين
روسيا وألمانيا، عدا عن العلائق الوطيدة الشخصية بين القيصر والإمبراطور،
ولأن حربا عوانا تقع بين ألمانيا وروسيا لا تفيد الثانية كثيرا.
أما حقد حكومة القيصر على النمسا فكان ولا يزال هائلا جدا؛ لأن فيها إلا
أقل من 16 مليونا من السلافيين تابعين لخمسة عشر مليونا من الجرمانيين، لذلك
ليس من الصعب على حكومة بطرسبورج الضرب على وتر نصرتهم الجنسية،
فضلا عن أن النمسا ما زالت تعرقل سياسة روسيا في البلقان، وكانت الحرب بينها
بين روسيا أمرا طبيعيا لا مفر منه. اه.
-----------------
<span class="footnote">
(*) منقولة عن جريدة الأفكار البرازيلية.</span></span>
الكاتب: حبيب الرحمن خان الشرواني
-----------------
<span class="footnote">