2- القوة المحسوسة واجبة لحفظ المجتمع:
هذا من النظرة الشخصية الفردية، أما من النظرة العمومية فالمسألة فيها نظر
لأن الأمة الواحدة في أثناء معاملاتها مع سائر الأمم لا يجوز لها أن تسير بموجب
المبدأ الآنف الذكر، أي مبدأ تضحية الواحد لأجل الخير العام عند الحاجة إلى ذلك
بل يجب على الأمة كمجموع منظم أن تفسر الحق والعدالة تفسيرا آخر يلائم
مصلحتها كما سترى.
لا يمكن تنظيم أمة ما لم يجتمع عدد كبير من أفراد تلك الأمة تحت لواء
المصلحة المشتركة بينهم، ومن العبث اجتماع البشر كلهم في أمة واحدة تحت نظام
واحد؛ لأن هذه النظرية لا يمكن تطبيقها. وتأليف أمم صغيرة ضعيفة غير
مستحيل غير أن حالة مثل هذه الأمم الصغيرة تستوجب الشفقة؛ لأن وجودها
مخالف للناموس الطبيعي، أي أن ليس لها حق الوجود، ودونك البرهان الحسي
العملي المعقول:
المقدمة المنطقية الأولى: إن البشر مضطرون بحكم نمو عددهم المضطرد
إلى تأليف جماعات طبقا لناموس التعاون؛ ولكن هذه الجماعات تكون متباينة لا في
الكمية فقط، بل في الكيفية أيضا.
المقدمة المنطقية الثانية: إن اختلاف العناصر، وعوامل الإقليم، والمناخ
وجدت منذ الأزل، وسوف تبقى بحكم الطبع إلى الأبد.
النتيجة المنطقية الثابتة: لذلك وجب تباين الأمم بعددها، وأنواعها؛ بسبب
تباين الأجناس، والألوان، والأخلاق، والعوامل الطبيعية من جيوغرافية وغيرها
من العوامل الخارجية، أي أنه وجب وجود أمم ضعيفة بين أمم قوية بحكم الطبع.
ولما كان ناموس تنازع البقاء - وهو ناموس طبيعي ثابت - يجبر الأمم على
حفظ كيانها، وعلى تقوية ذلك الكيان على حساب الضعيف من جيرانها [2] ، كان
من الضروري وجود ذلك التنازع بين الأمم الضعيفة، والأمم القوية، لذلك قلت
إن الأمم الضعيفة تستوجب الشفقة؛ لأنه لا حق لها بالوجود - ومن المستحيل
دوام وجودها، وهي عرضة لخطر الاضمحلال في كل حين بسبب التنازع
الطبيعي بينها، وبين القوي من جيرانها، ولا بد للقوي من استعمال قوته، وهذا
الاستعمال هو الحرب بأبسط معانيه، وأقول - بعبارة أوضح -: إن كل أمة يجب
أن تعتمد على القوة، على القوة وحدها، في أثناء معاملاتها العمومية مع سائر
الأمم، وإلا كانت أمة ضعيفة عرضة للفناء في كل حين.
انتقد الفيلسوف التلياني ماشيافللي مثل هذا التعليم بحجة أنه يرمي إلى اعتبار
القوة غاية الوجود لا واسطته؛ ولكن غاية الوجود (هي حماية مصالح الفرد،
وترقيتها حتى يصل إلى الدرجة المطلوبة من السعادة، والكمال) وهذه لا يمكن
الحصول عليها من دون مساعدة الأمة، والأمة لا يمكن أن تقوم بالحماية والترقية
ما لم تكن قوية، وقوتها لا تأتي إلا من حصر محبة بنيها لها وحدها أولا، وإلا
فإنني لا أفهم كيف أن زيدا يحب خير العالم أجمع، وهو لا يحب خير أمته،
ووطنه، وجنسه، وعائلاته أولا. فالواجب الإنساني إذن يقضي على المرء بمحبة
جنسه أولا.
إذن أرى أن الناموس المسيحي القائل بالمحبة، والإحسان، والغيرية هو
أشرف ناموس في الكون؛ لكنه وضع لأجل العلاقات الفردية في الأمة الواحدة فقط
ولا يمكن تعميمه على الإنسان والإنسانية؛ لأن التعميم مخالف للنواميس الطبيعية
الثابتة، والتخصيص أولى، إذ إن الذي لا يحب أخاه القريب، لا يقدر على أن
يحب البعيد الغريب، وعلى هذا الرسول بولس ذاته فيلسوف الكنيسة المسيحية،
وواضع أهم تعاليمها.
3 - فلسفة العدالة في المعاهدات والحروب:
ليست الحرب مقتصرة على اقتتال الجيوش فقط، بل الحرب اصطلاح
سياسي يعني وجود أمة تنازع أمة أخرى، سواء كان باستخدام السلاح، أو
باستخدام السياسة، والحروب السياسية تعنى مضايقة فريق لفريق آخر بواسطة
المعاهدات التجارية، أو المعاملات الاقتصادية من صناعية، وتجارية، وزراعية،
وما أشبه. وإذا لم يذعن أحد الفريقين للآخر بحرب السياسة يصير الالتجاء إلى