وهناك عضلة شهيرة تفصل الصدر عن البطن تسمى (بالحجاب الحاجز)
وهي مقعرة من أسفلها ومحدبة من أعلاها كالقبة.
فإذا انقبضت هذه العضلة تحول تقعيرها إلى مسطح، ونزلت إلى البطن
فضغطت على الأحشاء كالكبد والطحال والمعدة، وبذلك يتسع الصدر في قطره
الرأسي.
ومما تقدم يفهم أن الصدر في التنفس يتسع من جميع جهاته بارتفاع الضلوع
وبانخفاض الحجاب الحاجز فيضغط الهواء - كما قلنا - على الرئتين فيتسعان أمامه.
فترى من هذا أن الرئتين لا تتسعان بنفسهما، بل بحركة الصدر، فإذا فرض
أن الصدر اخترق من أحد الجنبين مثلا، بطل عمل رئة هذه الجهة لدخول الهواء
من الخرق، فإذا اخترق الجنبان مات الشخص في الحال بانطباق الرئتين، وبطلان
التنفس.
وحركة التنفس هذه وإن كانت تابعة للإرادة، إلا أن لها أعصابا تفعلها بدون
إرادة الإنسان أو علمه، ومركز هذه الأعصاب هي (البصلة أو النخاع المستطيل)
وهي الجزء الذي بين النخاع الشوكي والمخ، ويسمى هذا المركز بمركز الحياة،
وتنبعث إليه منبهات في هذا المركز فتجري في الأعصاب المحركة لعضلات
الصدر، ولذلك نرى أنه إذا صب الماء البارد على الجسم اشتدت حركة التنفس،
وكذلك إذا مس الهواء جسم الطفل المولود ابتدأ تنفسه.
أما الذي يحمل مركز التنفس على العمل الدائم في الحالة الطبيعية فأمران:
1- حالة الدم، فإذا كثر أكسجينه استراح المركز من العمل، وإذا زاد في الدم
غاز ثاني أكسيد الفحم تهيج المركز للعمل، وقيل: إن الذي يهيجه هو نقص الأكسجين
من الدم، وهذا القول الأخير هو الراجح الآن عند علماء الفسيولوجيا.
2- تمدد الرئتين بالهواء يحمل هذا المركز على إيقاف عمله؛ فترتخي
العضلات، وارتخاء العضلات الذي يتبعه هبوط الرئتين يحمل المركز على العمل؛
فتنقبض عضلات التنفس وهلم جرا.
وهذا وما قبله هو السبب في حصول التنفس، ولو كان الإنسان نائما أو
مخدرا بالكلوروفورم أو غيره.
ومما تقدم يفهم معنى الحديث القائل: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه،
بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلا، فثلث لطعامه وثلث
لشرابه، وثلث لنفسه) .
فإن امتلاء المعدة يعوق نزول الحجاب الحاجز، ويضغط عليه، وعلى القلب
وبذلك يحصل عسر في التنفس، وضيق في الصدر، وخفقان في القلب.
أما عدد مرات التنفس في الدقيقة الواحدة فيختلف من 14 إلى 18 مرة في
الشبان، وحركة التنفس تختلف في الأطفال عنها في الرجال وفي النساء، ففي
الأطفال يحصل تنفسهم على الأكثر بنزول الحجاب الحاجز؛ فيضغط على الأحشاء؛
وبذلك يرتفع البطن، ويسمى هذا الضرب من التنفس (بالتنفس البطني) ، أما
في الرجال فأكثر حركة التنفس تشاهد في الجزء الأسفل من الصدر مع بروز البطن
أيضا، وفي النساء تشاهد الحركة على الأكثر في الجزء العلوي من صدرهن.
ويختلف أيضا عدد مرات التنفس باختلاف الأعمار وبالراحة والتعب
وبالصحة والمرض، فيكون في الصغار، وفي الحميات وغيرها أكثر، وكذا بعد
التعب الجسماني أو الانفعال النفساني.
(يتبع)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) الرض: لغة الدق، والكدم: العض، وفي اصطلاح أطباء هذا العصر يطلق الأول على النزف تحت الجلد من الأوعية الكبيرة، والثاني عليه من الأوعية الصغيرة.
(2) تسمى باليونانية وغيرها amphibia ومعنى amphi (كلتا) وbios (حياة) وهي تعيش
في البر والبحر.
(3) يسمى أول طور من أطوار الجنين أيضا بالعلقة؛ لأنه مركب من عدة خلايا (كريات) ناشئة من انقسام البويضة، وتكون قطعة جامدة كعلقة الدم.
(4) نظرا لعسر مرور المواد الزلالية خلال الأغشية بطريق الإسموز - كما سبق بيانه - كانت هذه المائية مخففة لقلة الزلال فيها لذلك السبب.
(5) أرى أن الأحسن تسمية مثل هذا المقبض بالحاسم؛ لأنه يقطع الدم.
(6) الإسكربوط مرض يحصل من عدم أكل النباتات والخضروات، أو أكل الأشياء المتعفنة، وأعراضه ضعف وتقرح في اللثة، ونزف من أجزاء كثيرة من الجسم، وفي منسوجها.