والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} (الحديد: 3) ، غني بذاته عن كل ما
سواه، وكل ما سواه فقير إليه بذاته.
قوله: (وهي تثبت بعلم الجمع، وتصفو في ميدان الفناء) يعني أن هذه
المعرفة الخاصة تثبت بعلم الجمع، ولم يقل (بحال الجمع ولا بعينه ولا مقامه) فإن
علمه أولا هو سبب ثبوتها، فإن هذه المعرفة لا تنال إلا بالعلم فهو شرط فيها،
وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في الجمع عن قريب، فإذا علم العبد انفراد الرب
سبحانه بالأزل والبقاء والفعل وعجز من سواه عن القدرة على إيجاد ذرة أو جزء
من ذرة، وأنه لا وجود له من نفسه فوجوده ليس له ولا به ولا منه، وتوالي هذا
العلم عن القلب لا يسقط ذكر غيره سبحانه عن البال والذكر، كما سقط غناه
وربوبيته وملكه وقدرته، فصار الرب سبحانه وحده هو المعبود والمشهود المذكور،
كما كان وحده هو الخالق المالك الغني الموجود بنفسه أزلا وأبدا، وأما ما سواه
فوجوده وتوابع وجوده عارية ليست له، وكلما فني العبد عن ذكر غيره وشهوده
صفت هذه المعرفة في قلبه، فلهذا قال (وتصفو في ميدان الفناء) استعار الشيخ
للفناء ميدانا، وأضافه إليه لاتساع مجاله؛ لأن صاحبه قد انقطع التفاته إلى ضيق
الأغيار، وانجذبت روحه وقلبه إلى الواحد القهار، فهي تجول في ميدان أوسع من
السماوات والأرض، بعد أن كانت مسجونة في سجون المخلوقات، فإذا استمر له
عكوف قلبه على الحق سبحانه، ونظر قلبه إليه كأنه يراه، ورؤية تفرده بالخلق
والأمر والنفع والضر والعطاء والمنع استكملت في هذه الدرجة معرفته، واستكملت
بهذا البقاء الذي أوصله إليه الفناء، وشارفت عين الجمع بعد علمه، فغاب العارف
عن معرفته بمعروفه، وعن ذكره بمذكوره، وعن محبته وإرادته بمراده ومحبوبه
فلذلك قال:
(ويستكمل بعلم البقاء ويشارف عين [2] الجمع) ولهذه المعرفة ثلاثة أركان [3]
أشار إليها الشيخ بقوله: (إرسال الصفات على الشواهد، وإرسال الوسائط على
المدارج، وإرسال العبارات على المعالم) شواهد الصفات هي التي يشهد بها ويدل
عليها من الكتاب والسنة وشهادة العقل والفطرة وآثار الصنعة، فإذا تمكن العبد في
التوحيد علم أن الحق سبحانه هو الذي علمه صفات نفسه بنفسه، لم يعرفها العبد
من ذاته ولا بغير تعريف الحق له بما أجراه له سبحانه على قلبه من معرفة تلك
الشواهد والانتقال منها إلى شهود [4] المدلول عليه، فهو سبحانه الذي شهد لنفسه في
الحقيقة، إذا تلك الشواهد مصدرها منه فشهد لنفسه بما قاله وفعله وجعله شاهدا
لمعرفته فهو الأول والآخر، والعبد آلة محضة ومنفعل ومحل لجريان الشواهد،
وآثارها وأحكامها عليه ليس له من الأمر شيء، فهذا معنى إرسال الصفات على
الشواهد، فإذا أرسلها عليها تبين له أن الحكم للصفات دون الشواهد، بل الشواهد
هي آثار الصفات فهذا وجه.
ووجه ثان أيضا، وهو أن الشواهد بوارق وتجليات تبدو للشاهد، فإذا أرسل
الصفات على تلك الشواهد توارى حكم تلك البوارق والتجليات في الصفات، وكان
الحكم الصفات، فحينئذ يترقى العبد إلى شهود الذات شهودا علميا عرفانيا كما تقدم
قوله: (وإرسال الوسائط على المدارج) الوسائط هي الأسباب المتوسطة بين
الرب والعبد التي بها تظهر المعرفة وتوابعها، والمدارج هي المنازل والمقامات
التي يترقى العبد فيها إلى المقصود، وقد تكون المدارج الطرق التي يسلكها إليه
ويدرج فيها، فإرسال الوسائط التي من الرب على المدارج التي هي منازل السير
وطرقه توجب كون الحكم لها دون المدارج؛ فيغيب عن شهود المدارج بالوسائط
وقد غاب عن شهود الوسائط بالصفات؛ فيترقى حينئذ إلى شهود الذات، وحقيقة
الأمر أن يعلم أن الرب سبحانه ما أطلعه على معرفته إلا بشواهد منه سبحانه
وبوسائط ليست من العبد، فهو قادر على قبض تلك الشواهد والوسائد، وعلى
إجرائها على غيره؛ فإن الأمر كله له وتلك الوسائط لا توجب بنفسها شيئا قال الله