الأنبياء والرسل بغير حق، وتمردوا على موسى إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة،
وقتال الجبارين فعاقبهم الله بالتيه في الأرض، وأنهم كانوا أشد الناس عداوة
للمؤمنين، حتى أنهم يوالون عليهم المشركين، بسبب ما ورثوه من تلك الصفات
عن الغابرين، وذكر أنه عاقبهم على ذلك باللعن على ألسنة الرسل، وبالغضب
والمسخ، وهذه الصفات التي غلبت عليهم في زمن البعثة وقبله تثبتها تواريخهم
وتواريخ غيرهم، ومن المعلوم أنها لم تكن عاملة فيهم، ولا شاملة لجميع إفرادهم،
فقد أنصفهم الحكم العدل في هذه السورة وغيرها بالحكم على الكثير منهم أو أكثرهم،
ومنه قوله في هذه السورة: ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ (المائدة: 66) وبينا في الموضوع ما كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من
مساعدة اليهود للمسلمين في الشام، والأندلس.
ومما جاء في النصارى خاصة أنهم نسوا - كاليهود - حظا مما ذكروا به،
وأنهم قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، وقالوا إن الله ثالث ثلاثة، ورد عليهم هذه
العقيدة بالأدلة العقلية، وببراءة المسيح منها ومن منتحليها يوم القيامة، وبين لهم
حقيقة المسيح، وأنه عبد الله ورسوله وروح منه، وما أيده به من الآيات، وحال
حواريه وتلاميذه في الإيمان، وبين أنهم أقرب الناس مودة للمؤمنين، {ذلك بأن
منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} (المائدة: 82) فليراجع تفسير ذلك
في أول الجزء السابع.
وجملة الآيات الواردة في أهل الكتاب تشهد لنفسها أنها من عند الله تعالى، لا
من عند محمد بن عبد الله العربي الأمي الذي لم يقرأ شيئا من تلك الكتب، على أن
تلك الآيات ليست موافقة لها ولهم موافقة الناقل للمنقول عنه، وإنما هي فوق ذلك
تحكم لهم وعليهم وفيهم وفي كتبهم حكم المهيمن السميع العليم.
***
أحكام السورة الخاصة بأهل الكتاب
لو كان هذا القرآن من وضع البشر لشرع معاملة أهل الكتاب الموصوفين بما
ذكر - ولا سيما الذين ناصبوا الإسلام العداء عند ظهوره - بأشد الأحكام وأقساها؛
ولكنه تنزيل من حكيم حميد، أمر في هذه السورة بمعاملتهم بالعدل، والحكم بينهم
بالقسط، وحكم بحل مؤاكلتهم، وتزوج نسائهم، وقبول شهادتهم، والعفو والصفح
عنهم، وهذه الأحكام التي شرعت هذه المعاملة الفضلى لهم نزلت بعد إظهار اليهود
للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين منتهى العداوة والغدر، وبعد أن ناصبوه مع
المشركين الحرب، وهي تتضمن تأليف قلوبهم، واكتساب مودتهم، (راجع ص
195 ج6) .
وقد ختم الله تعالى السورة بذكر الجزاء في الآخرة بما يناسب أحكامها كلها،
كما بيناه في تفسير آخر آية منها.
روى أحمد، والنسائي، والحاكم، وصححه البيهقي في سننه وبعض رواة
التفسير عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي يا جبير تقرأ
المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال
فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، وروى أحمد، والترمذي، وحسنه
والحاكم، وصححه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: آخر سورة
نزلت سورة المائدة والفتح، وقد تقدم في آخر تفسير سورة النساء بعض ما ورد في
آخر ما نزل من القرآن من السور برمتها ومن الآيات، وكان كل يروي ما وصل
إليه علمه، والله أعلم.
(تم تفسير سورة المائدة)
***
يقول محمد رشيد مؤلف هذا التفسير: (قد وفقني الله تعالى لإتمام تفسير هذه
السورة في أوائل شهر ربيع الآخر سنة 1334، وكنت بدأت بتفسيرها في مثل هذا
الشهر من سنة 1331، وسبب هذا البطء أنني أكتب التفسير لينشر في مجلة المنار
فتارة أفسر في الجزء منه بضع آيات، وتارة أفسر آية واحدة في عدة أجزاء، وقد
يمر شهر أو أكثر ولا أكتب في التفسير شيئا، وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمام
هذا التفسير بمنع العوائق والمباركة في الوقت وأن يؤيدني فيه بروح من عنده) .