وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} (الزخرف: 10-12) ونظائر ذلك،
والصفة هي الأمور الثابتة اللازمة للذات كقوله تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا
هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك
القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر} (الحشر: 22-23) ،
ونظائر ذلك.
(الفرق الثاني) أن الصفات الذاتية لا يطلق عليها اسم النعوت كالوجه
واليدين والقدم والأصابع، وتسمى صفات، وقد أطلق عليها السلف هذا الاسم،
وكذلك متكلمو أهل الإثبات سموها صفات، وأنكر بعضهم هذه التسمية كأبي الوفاء
بن عقيل وغيره، وقال: لا ينبغي أن يقال نصوص الصفات بل: آيات الإضافات؛
لأن الحي لا يوصف بيده، ولا بوجهه؛ فإن ذلك هو الموصوف، فيكف تسمى
صفة؟ وأيضا فالصفة معنى يعم الموصوف، فلا يكون الوجه واليد صفة،
والتحقيق أن هذا نزاع لفظي في تسميته، فالمقصود إطلاق هذه الإضافات عليه
سبحانه، ونسبتها إليه، والإخبار عنه بها منزهة عن التمثيل والتعطيل، سواء
سميت صفات أو لم تسم.
(الفرق الثالث) أن النعوت ما يظهر من الصفات، ويشتهر، ويعرفه
الخاص والعام، والصفات أعم، فالفرق بين النعت والصفة فرق ما بين الخاص
والعام، ومنه قولهم في تحلية الشيء: نعته كذا وكذا - لما يظهر من صفاته، وقيل:
هما لغتان لا فرق بينهما، ولهذا يقول نحاة البصرة (باب الصفة) ، ويقول نحاة
الكوفة (باب النعت) ، والمراد واحد، والأمر قريب ونحن في غير هذا.
فلنرجع إلى المقصود، وهو أنه لا يستقر للعبد قدم في المعرفة، بل ولا في
الإيمان حتى يؤمن بصفات الرب جل جلاله، ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل
بربه، فالإيمان بالصفات وتعرفها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان وشجرة ثمرة
الإحسان، فمن جحد الصفات؛ فقد هدم أساس الإسلام، والإيمان وثمرة شجرة
الإحسان، فضلا عن أن يكون من أهل العرفان، وقد جعل الله سبحانه منكر صفاته
مسيء الظن به، وتوعده بما لم يتوعد به غيره من أهل الشرك والكفر والكبائر
فقال تعالى: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم
ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم
أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} (فصلت: 22-23) فأخبر سبحانه أن إنكارهم
هذه الصفة من صفاته من سوء ظنهم به، وأنه هو الذي أهلكهم، وقد قال في
الظانين به ظن السوء: {عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم
جهنم وساءت مصيرا} (الفتح: 6) ولم يجئ مثل هذا الوعيد في غير من ظن
السوء به سبحانه، وجحد صفاته، وإنكار حقائق أسمائه من أعظم ظن السوء به.
ولما كان أحب الأشياء إليه حمده ومدحه والثناء عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله
كان إنكارها وجحدها أعظم الإلحاد والكفر به، وهو شر من الشرك، فالمعطل شر
من المشرك؛ فإنه لا يستوي جحد صفات الملك، وحقيقة ملكه، والطعن في
أوصافه هو، والتشريك بينه وبين غيره في الملك، فالمعطلون أعداء الرسل بالذات،
بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل؛ فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه وظن
السوء به لما أشرك به، كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد لقومه: {أئفكا آلهة
دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين} (الصافات: 86-87) أي فما
ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره؟ وما [10] الذي ظننتم به حتى جعلتم معه
شركاء؟ أظننتم أنه يخفى عليه أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها
كالملوك؟ أم لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قاس
فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من
القلة، ويتعزز به من الذلة؟ أم يحتاج إلى الولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه؟
تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا، والمقصود أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه،