تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوقار والديانة، مع الظرف والدعابة:

قال: وكان على متانته وجزالته حسن الخلق كثير الدعابة، فربما ساء ظن

من لا يعرفه حتى إذا رام أن يصيب من دينه شعرة ثار عليه ثورة الأسد الضاري.

فمن ذلك ما حدث به سعيد ابنه قال: قعدنا ليلة من ليالي شهر رمضان المعظم

مع أبينا للإفطار بداره البرانية، فإذا بسائل يقول: يا أهل هذه الدار الصالحين

أطعمونا من عشائكم أطعمكم الله تعالى من ثمار الجنة هذه الليلة، وأكثر من ذلك

فقال القاضي: إن استجيب لهذا السائل فيكم فليس يصبح منا واحد.

وحكى عنه قاسم بن أحمد الجهني أنه ركب يوما لحيازة أرض محبسة في

ركب من وجوه الفقهاء وأهل العدالة، فيهم أبو إبراهيم اللؤلؤي، قال: فسرنا نقفوه

وهو أمامنا، وأمامه يحملون خرائطه [12] وعلى ذويه السكينة والوقار، وكانت

القضاة حينئذ لا تراكب ولا تماشى [13] فعرض له في بعض الطريق كلاب مستوحمة،

وهي تلعق منها وتدور حوله، فوقف وصرف وجهه إلينا وقال: ترون يا

أصحابنا ما أبر الكلاب بالهن الذي تلعقه وتكرمه، ونحن لا نفعل ذلك! ! ثم لوى

عنان دابته وقد أضحكنا، وبقينا متعجبين من هزله.

وحضر عند الحكم المستنصر بالله يوما في خلوة له في بستان الزهراء على

بركة ماء طافحة، وسط روضة نافحة، في يوم شديد الوهج، وذلك إثر منصرفه

من صلاة الجمعة فشكا إلى الخليفة من وهج الحر الجهد، وبث منه ما تجاوز الحد

فأمره بخلع ثيابه، والتخفف من جسمه، ففعل ولم يطفئ ذلك ما به، فقال له:

الصواب أن تنغمس في وسط الصهريج انغماسة يبرد بها جسمك، ولم يكن مع

الخليفة إلا الحاجب جعفر الخادم الصقلي أمينه، والحكم لا رابع لهم؛ فكأنه استحيا

من ذلك وانقبض عنه وقارا، وأقصر عنه إقصارا، فأمر الخليفة حاجبه جعفرا

بسبقه بالنزول في الصهريج، وكان يحسن السباحة، فجعل يجول يمينا وشمالا،

فلم يسع القاضي إلا إنفاذ أمر الخليفة، فقام وألقى بنفسه خلف جعفر، ولاذ بالقعود

في درج الصهريج، وتدرج فيه بعض تدريج، ولم ينبسط في السباحة، وجعفر

يمر مصعدا ومصوبا، فدسه الحكم على القاضي، وحمله على مساجلته في العوم -

فهو يعجزه في إخلاده إلى القعود، ويعاتبه بإلقاء الماء عليه، والإرشاد بالجذب إليه

وهو لا ينبعث معه، ولا يفارق موضعه، إلى أن كلمه الحكم، وقال له: ما لك لا

تساعد الحاجب في فعله وتقفز معه، وتتقيل صنعه، فمن أجلك نزل، وبسببك تبذل؟

فقال له: يا سيدي يا أمير المؤمنين الحاجب - سلمه الله - لا هوجل [14] معه،

وأنا بهذا الهوجل الذي معي يعلقني، ويمنعني من أن أجول معه مجاله، فاستفرغ

الحكم ضحكا من نادرته، ولطيف تعريضه لجعفر، وخجل جعفر من قوله وسبه

سب الأشراف، وخرجا من الماء، وأمر لهما الخليفة بخلع ووصلهما بصلات سنية

تشاكل كل واحد منهما.

وذكر أن الخليفة الحكم قال له يوما: لقد بلغني أنك لا تجتهد للأيتام، وأنك

تقدم لهم أوصياء سوء يأكلون أموالهم قال: نعم وإن أمكنهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٠١