تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النقط التي يميزون بها الباء عن التاء خوفا من الالتباس، فالحركات الحديثة

وضعت بعد ذلك لتقوم مقام حروف العلة لمشابهة الحركات لها فجعلوا للضمة التي

يشبه لفظها الواو علامة تشبه الواو، والتي يشبه لفظها الألف وهي الفتحة علامة

تشبه الألف؛ لكنها مستقيمة، ومثلها للكسرة من تحت وهكذا [7] .

***

الإعجام

وضبط الحروف العربية

أما الإعجام أو النقط فيظن أنها كانت موجودة في بعض الحروف قبل الإسلام

وتنوسيت، ولكن المشهور أن اختراعها كان في زمن عبد الملك بن مروان، وذلك

لما كثر التصحيف خصوصا في العراق، والتبست القرءاة على الناس لتكاثر

الأعاجم من القراء، والعربية ليست لغتهم، فصعب عليهم التمييز بين الأحرف

المتشابهة ففزع الحجاج إلى كتابه، وسألهم أن يضعوا لهذه الأحرف المتشابهة

علامات، ودعا نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني (تلميذي أبي

الأسود) لهذا الأمر فوضعا النقط أو الإعجام أزواجا وأفرادا بعضها فوق الحروف،

وبعضها تحتها، وسمي الإعجام إعجاما؛ لأن الإعجام في المعنى الأصلي هو التكلم

على طريقة الأعاجم، كما أن الإعراب هو التكلم على طريقة العرب، وكان

الجمهور يكره كما قلنا الإعجام والحركات في الكتابة، وينفر منهما، ولكن الناس

رجعوا بعد ذلك على هذا الرأي حتى كانوا يعدون إهمال الإعجام خطأ في الكتابة،

واستمر الأمر على اتباع هذا الإعجام إلى الآن.

***

الكتابة

واتجاه السطور فيها

لم يتقرر لاتجاه السطور في الكتابة نظام إلا بعد ترقيها؛ ولذلك كانت الكتابة

يدونها الأولون أنى اتفق لا يراعون لها نظاما في اتجاه سطورها، كما كان عند

قدماء اليونان؛ فإنهم كانوا يكتبون تارة من اليسار إلى اليمين، وطورا من اليمين

إلى اليسار، وأحيانا يجمعون بينهما.

فلما ترقت الكتابة، وتقرر نظامها عند الأمم اتخذت كل أمة منها طريقا

مخصوصا في كيفية سيرها: فأهل الصين، وأتباعهم صاروا يكتبون من الأعلى

إلى الأسفل، ومن اليمين إلى اليسار على الخط الرأسي؛ ولذلك سميت كتابتهم

(بالمشجر) ، ولهم في ذلك اعتقاد خاص حيث يعتقدون أن الله - سبحانه وتعالى -

موجود في السماء العليا، فكل شيء لا بد وأن يأتيهم من جهته، ولذلك صاروا

يكتبون من أعلى إلى أسفل.

وأهل أوربا صاروا يكتبون من اليسار إلى اليمين لكون الدورة الدموية تبتدئ

من القلب الموجود في الجهة اليسرى، والقلب في بعض الروايات مركز العقل،

فوجب أن تكون الكتابة من الجهة المقابلة للعقل الذي يستمد منه البنان؛ فلذلك

صاروا يكتبون من اليسار إلى اليمين.

أما العرب والسريان وغيرهم من الأمم السامية، فصاروا يكتبون من اليمين

إلى اليسار بالنسبة لكون الطبيعة قضت بأن كل شيء لا يعمله الإنسان إلا بيده

اليمنى، كما وأنه لا ينتقل من جهة إلى أخرى إلا بالرجل اليمنى؛ فلذلك صاروا

يكتبون من اليمين إلى اليسار [8] .

فالكتابة العربية الحالية متصلة من القديم، وتكتب أينما وجدت من اليمين إلى

الشمال على السطر الأفقي، وقد روى الدكتور بشارة زلزل في كتابه تنوير الأذهان

أنه (لم تزل بعض الأمم كالصومال تكتب الخط العربي من أعلى إلى أسفل (أي

على السطر الرأسي) وتقرؤه من اليمين إلى اليسار [9] ، وهذا غريب يحتاج

لإثبات.

-----------------

<span class="footnote">

(*) المنار: تجد تقريظ هذا الكتاب في مكان آخر.

(1) يصح أن يقال ريس في رئيس قال الكميت يمدح محمد بن سليمان الهاشمي

... تلقى الأمان عن حياض محمد ... ثولاء مخرفة وذئب أطلس

... لا ذي تخاف ولا لهذا جرأة تهدي الرعية ما استقام الريس

والثولاء النعجة والمخرفة لها خروف يتبعها، ضرب لذلك مثلا لعدله وإنصافه حتى أنه ليشرب الذئب والشاة من ماء واحد، استشهد به الجوهري، والزبيدي (في تاج العروس) وغيره على ما قلناه أن الرئيس يقال فيه ريس.

(2) كشف الظنون 466 ج 1.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١٧٦