تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الواجب أيضا نظافة القدمين وتكون بالغسل الجيد المتكرر والتخليل،

فإن ذلك مانع لتسلخاتهما، ولروائحهما الكريهة؛ فإنه إذا تراكمت الأوساخ فيهما؛

فقد يعرض للأخمصين، ولما بين الأصابع تسلخات، ربما أدت إلى التهاب في

العقد الأربية، ونشأ عنه حمى، وخراج في ذلك الموضع، وتلك التسلخات مؤلمة

وتعوق الإنسان عن المشي، وتعطله عن أعماله.

وبعد ذكر هذه النظافة التفصيلية يجب علينا تكرار الحض على تنظيف سائر

الجسم، ودلكه جيدا بالماء والصابون؛ فإن نفع ذلك معلوم مما سبق، ويجب علينا

تكرار ذكر ما للقمل من المضار - خصوصا قمل الجسم أو الملابس - فإنه فضلا

عن نقله للحميات المذكورة قد يكون هو وحده سببا في إحداث حمى شديدة - كما

قلنا - وذلك إما بسبب تهييج أعصاب الجسم بلدغه، أو بحقن سموم في الجسم من

إفرازه، فقد شوهد أن بعض الناس قد أصابته حمى في منتهى الشدة، حتى زادت

حرارته عن أربعين، وعند البحث في جسمه لم يوجد به مرض، ولم يكن هناك

سبب لتلك الحمى سوى وجود قمل كثير في الجسم، وبعد النظافة التامة زالت عنه

الحمى في الحال.

زد على ذلك ما للقمل من المضار الأخرى، كإقلاق راحة الإنسان، ومنع

النوم عنه، وإحداث بثور في الجسم.

***

القاذورات والنجاسات

القاذورات التي نعتبرها ضارة طبا، هي عين النجاسات المعروفة شرعا،

وأشهرها البول، والبراز، والدم، والقيح، أو الصديد، والقيء، والمني، ولم

يعتبر اللعاب، والمخاط من الشخص السليم ضارا في الشرع؛ لأنه حقيقة لا يوجد

فيه ميكروب يضر الإنسان ضررا بليغا، اللهم إلا ميكروب الالتهاب الرئوي

والميكروب اللعابي (الذي ذكر في صفحة 69 من هذا الكتاب) ، ولكن هذين

الميكروبين، وغيرهما يسكنان عادة في فم كل شخص، ولا يضرانه إلا إذا ضعفت

بنيته عن مقاومتهما؛ ولذلك كان الاحتراس من لعاب الشخص السليم، ومخاطه لا

فائدة كبيرة فيه، أما البلغم فهو شيء غير المخاط العادي إذ أنه يشتمل على شيء

من الصديد، وغيره كبلغم المسلولين، وهو خطر جدا، فيجب اعتباره نجسا

لاشتماله على الصديد، أو الدم كما ثبت ذلك بالبحث المجهري، وقد نص الفقهاء

على أن كل ما يخرج من الصدر من نخامة وغيرها نجس.

وقال فقهاء الحنفية: إن ما زاد من هذه النجاسات عن قدر الدرهم وجب تطهير

الثوب وغيره منه، ولا يخفى أن المصاب بالسل، وغيره من الأمراض الصدرية

يخرج من فمه كثيرا من الصديد، الذي قد يزيد عن قدر الدرهم

فإذا كان الواجب عندهم أن يتطهر الإنسان من البلغم إذا أصاب ثوبه بهذا

المقدار، كما يتطهر من البول والبراز؛ فإنه لا فرق بينهما، وكلاهما ضار ضررا

بليغا، على أن الإمام الشافعي يرى أن القليل والكثير من النجاسات سواء، فيجب

التطهر حتى من قليل البلغم الذي يخرج من الصدر.

***

نظافة البيوت وشروطها الصحية

من مقتضى الطهارة في الإسلام أن يكون مكان الشخص نظيفا طاهرا لئلا

يتنجس ثوبه فطهارة البيوت - فضلا عن كونها واجبة طبا - هي واجبة شرعا.

ومن أكثر الأسباب نشرا للأمراض أن يدوس الإنسان في الطريق على ما

يلقى فيه من القاذورات، وميكروبات الأمراض، ثم يأتي إلى بيته ولا يخلع نعليه

فإن ذلك مما ينشر في البيوت أكثر الأمراض كالدفثيريا، والسل، وكثيرا من

الحميات العفنة.

فالواجب أن تكون أرض البيت، وفرشه، وحيطانه، وسقفه وكل ما حوى

في غاية النظافة، بحيث لا تتلوث بشيء من النجاسات المذكورة آنفا، وكذلك يجب

أن تنظف من القمل، والبق، والبعوض (الناموس) ، والذباب والفئران،

والبراغيث، وغير ذلك بأن تسد جميع شقوقها، ويتكرر تنظيفها خصوصا بالجير

أو نحوه، وتغسل أرضها، ويصب في مراحيضها شيء من البترول [7] لقتل العلق

(صغار الناموس) ، وبيضه.

وينبغي أن تكون المساكن طلقة الهواء، ذات منافذ كثيرة معرضة لأشعة

الشمس بعيدة عن الأماكن الرطبة، والأفضل أن تكون مراحيضها في الجهة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١٦٦