على كل غني، ومثل هذا لا يجوز أن يقال فيه مملوء، وفسر الجوهري المليء
بكثير المال أو الثقة الغني، والفيومي بالغني المقتدر، حكاهما شارح القاموس.
وفي مجاز الأساس ما نصه: وما كان هذا الأمر عن ملأ منا أي ممالأة
ومشاورة، ومنه: هو مليء بكذا: مضطلع به، وقد ملؤ به ملاءة، وهم مليئون به
وملآء. اه.
هذا حاصل ما ورد في كتب اللغة في الكلمة لا ما قاله المجيب، ومنه يعلم أن
أظهر هذه الأقوال في تفسير البيت أن (مليء) فيه بمعنى مضطلع، وحاصل
المعنى أن هذا الخطيب الذي يذمه الشاعر لا قوة له على الخطابة، لا اضطلاع له
بها وإنما هو مليء مضطلع بصفات العي والحصر كلها، وهي البهر الذي هو
انقطاع النفس وتردده من الإعياء والالتفات، ومسح اللحية، وفتل الأصابع،
فالمضلع بالأمر هو القوي عليه القادر على احتماله، ويصح أيضا أن يقال إنه غني
وثقة بهذه الصفات، أي لأنه فقير من الفصاحة والبلاغة، وما به تكون الخطابة،
أو لا ثقة به في ذلك.
ومن البديهي أن كلمة مملوء لا تحل محل كلمة مضطلع، ولا كلمة ثقة، ولا
كلمة حسن القضاء، أي لما عليه من الحق، بل ولا محل كلمة غني ومزكوم،
ولكن معنى الامتلاء يناسب هذا المعنى في الجملة دون معنى المضطلع والثقة، ولم
يرد عنهم: إناء أو دلو أو ذق مليء، كما يقال مملوء، فالفرق بين مليء ومملوء
مثل الصبح ظاهر.
ثم إننا نقول إذا جرى (المتأدب) في فهم كل استعمالات اللغة على الطريقة
التي جرى عليها في فهم هذه الكلمة (مليء) فاته الفهم الصحيح في أكثرها،
وأعني بهذه الطريقة أن يعمد إلى كلمة من أصل المادة، ويحمل عليها كل معنى
حقيقي ومجازي لها، مثال ذلك قولهم: اضطلع بالأمر، أصل معناها الاشتقاقي:
احتملته أضلاعه؛ ولكنه يقال في الأمور المعنوية، ومنه قول علي - كرم الله
وجهه - في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - فاضطلع بأمرك لطاعتك فسروه
في كتب اللغة والحديث بقولهم: قوي عليه ينهض به، وليس أمر الوحي والدين
مما تحمله الأضلاع، وإنما يحمله العقل والروح ويؤديه اللسان.
هذا ما ظهر لنا، فما يقول في البيت أدباء مصر كالشيخ المرصفي، والشيخ
محمد المهدي، وإسماعيل باشا صبري، وحفني بك ناصف، وأحمد بك تيمور،
وحافظ بك إبراهيم، ومحمد بك المويلحي، وسائر الكتاب والشعراء؟ .
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: صالح مخلص رضا
-----------------
<span class="footnote">