تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منهم حصته احتلالا عسكريا؛ لأن الدولة لا تستطيع مقاومتهم فتنتهي بالفتح

الحربي أم اختاروا لها صورة من صور الفتح السلمي؟ وقد تفكرت فكان

الثاني هو المرجح عندي، فإن هذه الدول العاقلة الرشيدة تأبى الاستيلاء على

سائر بلاد الدولة الغالب عليها الخراب والجهل بالاحتلال العسكري لأسباب

متعددة:

منها: أن ذلك يقتضي نفقات كثيرة هم في غنى عنها. ومنها أنه لا بد

أن يفضي إلى ثورات وفتن داخلية في البلاد التي يغلب على أهلها البداوة

كالبلاد العربية والكردية وما يجاورها، وهم في غنى عن سفك الدم الأوربي

المقدس! في أرض الهمجية في عرفهم، وفي إنفاق المال على ذلك.

ومنها: أنه يترتب على ذلك وقوع العداوات والأحقاد بين المحتلين،

وأهالي البلاد المسلمين، فيكون ذلك مؤخرا للاستفادة من استعمارها.

ومنها: أن ما تطمع فيه كل دولة منها وتعده من منطقة نفوذها ليس بينه

وبين ما تطمع فيه الأخرى حدود طبيعية يؤمن بها التنازع بين المحتلين مع ما

بينهم من المناظرة والمباراة، بل الشقاق والمعاداة، ولا يتيسر الآن إقامة

معاقل تتكافأ بها القوى فيخشى أن تقع بينهم الحروب لأجل ذلك.

ومنها: أنه لا يوجد في أكثر هذه البلاد ثكنات ولا قلاع ولا حصون

للجيش ولا مباني تليق بالأوربيين الذين يتولون الإدارة والأعمال، ولا طرق

حديدية لنقل العسكر عند الحاجة ولسهولة المعيشة، فلهذا يتعذر اتقاء خطر

التنازع الذي أشرنا إليه في الوجه الذي قبل هذا ويتعذر تلافي خطر الثورات

والفتن الداخلية.

ومنها: أنه لا يوجد عندهم العدد الكافي من الرجال، الذين يصلحون

لتولي الأعمال، ويرجى أن تصلح بهم الحال، ومنها أن ذلك أشد ما يوقظ به

استعداد مسلمي الأرض كافة، ويوجه قلوبهم إلى وجوب السعي للانتقام ممن

أزالوا ملكهم، وهدموا سلطان دينهم.

تلك هي الأسباب المانعة من الفتح الحربي، وأما الفتح السلمي فهو إدارة

البلاد وحكمها بواسطة أشباح من العثمانيين تحسبهم عامة الأمة رجالا منها،

فلا يؤدي إلى هذا المحظور.

يا سبحان الله! إن ساسة أوربة ينشرون في رسائلهم وجرائدهم الآراء

في كيفية إزالة هذه الدولة كما أزالوا دولة مراكش ودولة إيران ولا نرى أحدا

من المسلمين يعتبر أو يفكر، ولا نقول يسعى أو يعمل.

وما هو رأيهم في كيفية إزالتها؟

نشر مدير مجلة (العالم الإسلامي) الفرنسية رسالة في أوائل العهد بهذه

الحرب سماها (المسألة الشرقية) أشار فيها إلى أن أمثل الطرق في حل هذه

المسألة أن تجعل الدولة العثمانية تحت مراقبة الدول كما تجعل حكومة ألبانية

الجديدة.

وبين أن من مسهلات ذلك: سبق الدولة إلى جعل جميع مقومات حياتها

في أيدي الأوربيين كمجلس الديون العمومية، وشركة احتكار الدخان، والبنك

العثماني، والسكك الحديدية، والمستشارين الماليين، والمعلمين العسكريين،

والمدارس والصناعات والملاحة، فلم يبق إلا تحويل نفوذ السفراء في الآستانة

إلى سلطة شوروية مختلطة تكون هي المشرفة على حكومة العاصمة والمديرة

لها، ويجعل وكلاء الدول في الولايات والمتصرفيات مسيطرين على الحكام

فيها، ويكون من أهم عملهم تحديد النفقات العسكرية؛ لأن العسكر لا يبقى من

الحاجة إليه إلا حفظ الأمن (كالعسكر المصري) وأما الخلافة فتظل محترمة

بصفة كونها إمامة دينية فيكون السلطان محصورا في قصره لا سلطة له ولا قوة.

ويقول الكاتب: إن هذا يثقل على أصحاب المناصب والأهالي، ولكن

الدولة في حالة إفلاس، وسيعلم رجالها أنه لا يمكن بقاؤها إلا بهذه الطريقة،

وسيتعود الأهالي الخضوع لسلطة وكلاء الدول كما خضعوا لرجال الانقلاب

العثماني أي: وهم أخلاط وأوشاب لا يعرف لهم عرق راسخ في الأمة كما

بينه الكاتب في موضع آخر من رسالته.

وقد قرأنا في مؤيد هذا اليوم ترجمة برقية أرسلها صاحب جريدة أقدام

التركية من فينة إلى جريدته بالآستانة يؤيد هذا الرأي، وهي هذه:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٨٤