ليعطي الأمر إلى الجنود الموجودة بتفريق المجتمعين، وقد جاءه ياوره نافذ
بك وأمرهم بذلك.
وبعد دقائق قليلة قدم أنور بك يحيط به جماعته فتظاهر ضباط تابور عشاق
برغبتهم في مخالفته فخطب فيهم قائلا: ألست قائدكم؟ أما أنا مسلم مثلكم؟ أما أنا
عثماني؟ لماذا تضربون هؤلاء القوم دعوهم وشأنهم.
(دور المشايخ)
وفي هذه الأثناء وقف الشيخ أحمد ماهر وشيخ آخر - في رواية أخرى أنه
موسى كاظم - واعظين في الجند والقوم وأخذا يصيحان: أيها المسلمون استغفروا الله
أيها المسلمون استغفروا الله، الله أكبر، الله أكبر. فيجيبهما الجميع:
أستغفر الله، أستغفر الله.
غرضهم من ذلك كان أنور بك يعلم هو وجماعته أنه لا بد لهم من
إطلاق النار لدخول غرفة اجتماع الوكلاء، فأرادوا بوجود هذه الضوضاء
العلوية أن يخفوا صوت إطلاق النار عن الواقفين خارجا، ثانيا أن يحركوا
العواطف الدينية.
بعد أن دخل أنور بك وفدائيته الباب الخارجي الكبير، وتبعهم بعض
رجال الأندية الاتحادية أقفلوا الباب وراءهم ومنعوا غيرهم من الدخول.
ولما وصلوا إلى الداخل، وطلبوا الدخول إلى غرفة مجلس الوكلاء منعهم
نافذ بك ياور ناظم باشا، فأطلق مصطفى نجيب بك أحد ملازمي الجيش، وكان بثوب
ملكي النار على نافذ بك فلم يرده لأول طلق فأجابه نافذ بك بالمثل فأرداه، وسقط
الاثنان تضرجان بدمائهما فتصدى توفيق بك ياور الصدر وشقيق حرم أدهم بك
والى بيروت لممانعتهم فأردوه على الفور.
فلما سمع ناظم باشا إطلاق النار خرج ليرى الأمر فما فتح الباب حتى
كان قد عاجله أحد الفدائية برصاصتين ذهبتا بحياته حالا فوقع إلى الأرض يتضرج
بدمه الذي ذهب ثمن غفلته وإهماله [3] .
وعلى هذه الصورة، وفي هذا الشكل دخل هذا الجمع مجلس الوكلاء وكانت
في يد أنور بك عريضة الاستقالة، فقبض على المسدس بيد وبسط العريضة
بالأخرى لكامل باشا قائلا: وقع على هذه العريضة حالا فالأمة لا ترضى بوزارتكم.
ثم أشار إلى بعض رجاله بعدم السماح لأحد بالخروج ولا لأحد من الخارج بالدخول.
جرى كل ذلك، والناس في الخارج يهللون ويكبرون وهم لا يعلمون ما
جرى داخلا فركب أنور بك سيارة كانت معدة له، وقصد السراي السلطانية -
وكان قد احتاط بها مئات من الناس أيضا - يحمل الأمر بتعيين محمود شوكت
باشا صدرا أعظم.
(في السراي)
لا يعلم الناس ما الذي جرى في السراي إلا أنهم يعلمون أن أنور بك دخل
وخرج بالأمر موقعا عليه، وقد اختلفوا كثيرا في الرواية، فلندع للتاريخ التمحيص.
وعاد أنور بك بأمر تعيين محمود شوكت باشا صدرا أعظم، فاستلم على
الفور طلعت بك نظارة الداخلية.
ووقف الخطباء يعددون مساوئ كامل باشا وخيانته ويقولون عنه: إنه
باع طرابلس الغرب والروملي [4] . أما الخطباء فبعض مشايخ الدين وأفراد من
مهاجري الروملي.
(شكل موظفي الدولة)
قبل أن خرج أنور بك من مكانه الذي كان فيه إلى الباب العالي أعطى
أمرا إلى أحد أنفار البوليس من الاتحاديين إلى جعفر إلهامي بك مدير البوليس
العام بوجوب تسليم الإدارة إلى عزمي بك المدير السابق؛ فلما أخذ جعفر
إلهامي بك الأمر قبله ووضعه على رأسه، وسلم الإدارة إلى عزمي بك،
ووقف أمامه يسأله ما يريده، فأمر البوليس بأن يقبضوا عليه ويوقفوه ففعلوا.
(التوقيفات)
قبل أن يتلى الأمر بصدارة محمود شوكت باشا كانت التوقيفات قد بدأت
فقبض على أصحاب جريدة علمدار ومحرريها وعلى علي كمال بك المحرر
المعروف وإسماعيل بك مبعوث كوملجنه وعلى نور الدين بك مدير أقدام وغيرهم.
وفي الوقت الذي ذهب فيه أناس إلى الباب العالي وآخرون إلى نظارة
البوليس، ذهب فريق إلى مكان المحكمة العرفية، فأفهموا ضابطها أن الأمة في
غير حاجة إليهم وطردوهم من الدار التي كانوا فيها وأخذوا مفتاحها، فخرجوا
لا يبدون مقاومة ولا يفوهون بكلمة.
(الخط الهمايوني)