الحرية والائتلاف فنهبوه، وأخذوا أوراقه ودفاتره وحطموا زجاج كل نوافذه.
ومن الغريب في هذا الحادث أن الجنود الذين من وظيفتهم أن يوجدوا في
الباب العالي أرادوا أن يمنعوا أنور بك وجماعته من الدخول فسألهم أنور بك:
ألستم تعرفونني؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تثقون بي؟ قالوا: بلى. قال: إذن
فأفسحوا لي الطريق؛ فإني ما جئت إلا لأنقذ الوطن؛ وعقولكم لا تدرك مثل
هذه الأمور. نعم عقولهم لا تدرك مثل هذه الأمور، ولكن الذي كان يجب عليهم أن
يدركوه هو اتباع أوامر ضباطهم فلم يفعلوا. وهكذا تركوا رجال المظاهرة يفعلون ما
سبقت الإشارة إليه.
وعند دخول أنور بك كان منتبها إلى أنه ربما استدعيت الجنود بواسطة
أسلاك التلفون والتلغراف فقطعها كلها.
ومما انتبه الاتحاديون له قبل وقوع الحادث أنهم أمروا الضباط المنتسبين
إلى جمعيتهم فأخذوا الألايات الحميدية إلى الجسر الجديد الذي بين السركه جي
وغلطه فقطعوا الصلة بين شطري العاصمة.
وكانوا قد طبعوا من قبل منشورا يتقربون به إلى الأمة بما آنسوه من
شعورها بعواطف الاستياء من التنازل عن بعض أدرنة والجزر مع أنه لو
كشف الله للناس عن قلوب بعضهم في هذه الأزمة لعلموا من هو المسيء أكثر
ومن هو المخلص أكثر، ومن الذي يتخذ العواطف ذريعة لأغراضه.
وأغرب ما في الأمر أن هذا المنشور الذي طبع من قبل جاء فيه أن
الوزارة استقالت، مع أنه كتب وطبع قبل حدوث كل شيء، وقبل أن يخطر
على بال الوزارة أن تستقيل بهذه الصورة. ولكنها فتنة دبرت بليل.
في اليوم الثاني كانت قد أقفلت جريدة أقدام وجريدة علمدار وجريدة بني
غزته، وقام أمامها من رجال البوليس، وقبل ذلك - أي في الليل - ألقي القبض
في مطعم طوقاتليان على علي كمال بك رئيس تحرير أقدام، وإسماعيل حقي
بك مبعوث كوملجنة السابق، ونور الدين بك المدير المسئول لجريدة أقدام،
والدكتور رضا نور بك والدكتور رضا توفيق بك وغيرهم فسجنوا جميعا.
أما رشيد بك ناظر الداخلية السابق وعبد الرحمن بك ناظر المالية
السابق فقد سجنا في دائرة برنجي قول أوردو ولا يزال البحث جاريا عن
المعارضين.
والاعتقاد سائد هنا (أي في الآستانة) أنه لولا طيب قلب ناظم باشا
ورشيد بك لما حصل شيء من هذه الفتنة.
ويقال: إنه مما قرر أثناء ترتيب الفتنة أن يعين نسيم ماصلياح اليهودي
وكيل الجمعية الصهيونية ناظرا للتجارة بدلا من جلال بك ويرسل جلال بك
واليا على أزمير، وجاويد بك يعين وزيرا للمالية.
أما باتزاريا الذي عين ناظرا للنافعة (الأشغال) فهو فلاخي، وكان
رئيسا لتحرير (جون ترك) التي تصدر بأموال اليهود الصهيونيين اه.
***
الانقلاب الخامس ...
مقدماته، تفاصيله، نتائجه
ونشرت جريدة الأهرام تحت هذا العنوان (في عدد 10618) رسالة
من الآستانة هذا نصها:
برح مراسلكم الخصوصي فروق إلى مكان أجهله فسألني قبل سفره
مراسلة الأهرام في مدة غيابه نظرا لما بيننا من صلات المحبة والوداد فوعدته
خيرا، ولقد كنت أود لو أن لي قلما كقلمه يصف لكم الحوادث والأشياء، إلا
أن ما لا يدرك كله لا يترك جله، فأنا أصف لكم ما رأيناه ومر أمام ناظرنا
ببساطة العامي؛ لعلمي أن الحقيقة جميلة بنفسها لا تحتاج إلى بلاغة إنشاء. ففي
جمالها ما يغني عن البلاغة.
إذا كان في العالم كله شعب يصح به قول الشاعر:
وصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت االنصال على النصال ...
فهذا الشعب هو ولا شك الشعب العثماني الساكت النائم على الضيم المغلوب
على أمره، فلقد أخذت النوائب ترشقه بسهامها منذ عامين أو أكثر فقتلت أولاده في
حروب طرابلس الغرب والروملى، ورملت نساءه ويتمت أطفاله، وخربت
تجارته وهدمت دياره وأحرقت مزارعه وأخرجت الحكم من يده إلى يد عدوه،
فبلاد الرومل اليوم ديار خربة لا تصلح لشيء، يحرق العدو فيها ديار المسلمين،
ويحرق المسلمون فيها قرى أعدائهم، وهكذا دواليك.