تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاتحادية، فأجابه إلى طلبه طبعا، وعاد فأعلن ذلك إلى ممثلي الأمة الواقفين

في ساحة الباب العالي! فهتفوا باسم الاتحاد والترقي، وكان ذلك وقت

الغروب أو بعيده.

ثم قبض على علي كمال وأحيط بإدارة جريدة أقدام وعلى محرر يكي غزته

وأحيط بإداراتها، وبناظري المالية والداخلية، وبكثير من رجال العلمية

والملكية، وفر كثيرون مما لم نقف بعد على تفصيله، وتوجه في تلك الليلة

رجلان إلى إدارة صباح، حيث كان محررها فأمروه بكتابة ما يريدون، وهددوه

إن لم يفعل بالقتل، فخرجت صباح ثاني يوم تمجد هذا العمل وتقدسه وتلبسه

لباس الحق، وإن للأمة أن تخرج عن الطاعة وتنبذ طاعة حكومتها إذا عملت على

غير مصلحتها.

وكان قد أصيب في تلك المظاهرة مرخص الاتحاديين مصطفى نجيب

فهلك فأخرجوا جنازته في اليوم التالي بين التهليل والتكبير، والبكاء والعويل،

والتآبين المطولة، والمراثي المطنطنة، وفي جملة من أبنه عبد العزيز

شاويش، أبنه بالإنكليزية! ثم مشوا به ومعه ألوف مؤلفة فيهم قسم عظيم من

الحمالين (الشيالين) وقسم عظيم من شيوخ الطرق، وآخر من رجال العلمية

والطلبة، والباقون من شبان المأمورين، ومشت أمامه فرقة من العساكر، وأخرى

من النواحين يرثونه، ويذكرون بلاءه في سبيل الوطن وتعريضه بنفسه

إلى الموت لتخليص وطنه من الذين يريدون بيعه وتسليمه للأعداء، ويتباكون

كأن المصاب بهذا المجاهد أعظم من المصاب بكل من مات في ميدان الحرب،

وأعظم من الهزيمة التي أسقطت الجيش والعثمانية كلها من مرتبة الوجود.

كل هذا على حين أن جنازة ناظم باشا كانت تمشي من طريق آخر وليس

معها سوى بعض الجند، وبعض ضباط الأجانب والمأمورين العسكريين،

والناس يتناجون فيما بينهم ولا يجسر أحد منهم أن ينبس ببنت شفة.

جرت كل هذه المضحكات المبكيات، ثم عادت الوزارة الجديدة لمباشرة

العمل والقيام بما ملأت به ماضغيها من التحريض على الحرب ورد مخطرة

الدول، وراجعت الأساس الذي كانت الوزارة السابقة تريد بناء الجواب عليه

فإذا هو عبارة عن تسليم بعض الحدود الخارجية عن منطقة أدرنة وتسليم

بعض الجزر، والرجاء من الدول بالاكتفاء بهذا وصرف النظر عن مطالبهن،

فجعلت الوزارة اللاحقة تحاول تعديل جزء يسير من هذا فلم تجد إليه سبيلا،

ولا عليه معينا، فاضطرت فيما سمعناه إلى تقريره بعينه، وستقدم الجواب اليوم أو

غدا [1] .

أما صدى هذه الحركة في الجيش فالمسموع أنه صدى سيئ، وأن

العسكر في جتالجه منقسمون، وبعضهم يريد الزحف على الآستانة لتأديب

القائمين بها، وبعضهم يطالب بدم ناظم باشا، وبعضهم فر من الجيش إلى

جيش البلغار، وأما الولايات فلم يرد منها إلا التقبيح لهذا العمل ورفض

الاعتراف بالوزارة الجديدة فيما سمعنا، حتى قيل: إن ولاية البصرة عازمة

على طرد الأتراك من بلادها وإعلان الاستقلال، وعلمت أن تلغرافا ورد

طالب بك يتضمن هذا أو نحوه، وأن تلغرافات وردت من بيروت والقدس

بالرفض أيضا [2] .

أما التهاني التي وردت من بعض أقضية الأناضول ونشرتها الجرائد فهي

خافتة الصوت ظاهر عليها أثر التصنيع، وأول ما درج منها تلغراف من

رئيس الحمالين في أزمير يهنئ الوزارة، ويذكر أن لديه عددا كبيرا من

عربات النقل مستعدة لخدمة الحكومة في الحرب التي تنوي استئنافها لتخليص

الوطن! وعلمت من ثقة أن أول عمل قررته الوزارة: إعادة المجلس المنحل

ودعوة المبعوثين؛ لأنها لا تعتبر ذلك الفسخ قانونيا؛ ولم ينشر في الجرائد

تصريح بذلك، أما تلميحا فقد نشر، والجرائد لا تذكر واحدا من هؤلاء

المبعوثين باسم مبعوث سابق، بل تطلق كلمة مبعوث إطلاقا، وبالجملة فكل

ما نراه ونسمعه هو من آيات الانتحار والانقراض، ولا ندري ماذا يكون شأن

بلادنا، وماذا يعمل زعماؤها وكيف السبيل إلى النجاة. انتهى بنصه.

ونشر المؤيد في العدد الصادر أمس (يوم الأربعاء 28 صفر سنة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٧١