تقع على خزفة أو آجرة سخنة. ثم لا مندوحة للدولة عن الركوع بين يدي
أوربة والتماس مساعدتها بالمال والحال لإدارة حركة الدولة الداخلية،
ويخشى أن تتوسل الدولة بذلك إلى جعل مالية الدولة وإدارتها تحت مراقبتها،
وذلك منتهى ما تبغيه أوربة من إزالة هذه الدولة بالفتح السلمي.
إن ظني وظن من أعرفهم من العثمانيين المخلصين في زعماء جمعية الاتحاد
والترقي سيئ جدا، فنحن لا نستبعد أن يعطوا الدول فوق ما تطلب من ذلك كبيع
الأراضي الأميرية والامتيازات وتقوية النفوذ وهو بيع البلاد الذي يسمونه الفتح
السلمي، فإذا واتاهم محمود شوكت باشا الذي نال الوزارة بمسدساتهم وخناجرهم
فهي القاضية، ويجب على جميع الولايات العثمانية بالفعل أو الاسم أن تقبل
بيع شيء من بلادها بأي اسم كان، فمن يبلغهم بيع شيء من بلادهم للأجانب فليعلنوا
استقلالهم وعدم اعترافهم بهذا البيع كيفما كانت صورته، ولا بالبائع مهما كانت
صفته، وليستعد كل قطر ليكون مثل طرابلس الغرب.
لا أريد تثبيط العثمانيين وسائر المسلمين عن مساعدة الدولة بالمال، فأنا قد
ساعدت بحسب استطاعتي وإنما أقول إن هذه الحرب إن عادت لا تطول، وينبغي
أن يعلم المساعدون أين يضعون أموالهم، فيحبسها أهل الأقطار على صلاح بلادهم،
ويخصها سائر المسلمين بحرم ربهم وحرم نبيهم، فإن ما يتسرب إلى الآستانة لا
يفيد الحرمين ولا غيرهما شيئا، وأن لا يأمنوا جمعية الاتحاد والترقي على شيء
من المال، وإلا ندموا بعد أيام أو شهور حيث لا ينفع الندم.
بذلت هذه النصيحة وأنا موطن نفسي على احتمال إيذاء أشد مما
آذتني به الحكومة الحميدية، وعلى احتمال تخطئة وذم ولعن من الجاهلين
والمنافقين، كما احتملت مثل ذلك قبل من أنصار عبد الحميد، ولكن إذا
كان حقنا في مقاومة عبد الحميد لم يظهر إلا بعد جهاد عدة سنين، فإن حقنا
في الأزمة الحاضرة سيظهر بعد أسابيع أو شهور، وقد كنا نبين سيئات
الجمعية ونسكت عن الحكومة، فإذا رأينا هذه الوزارة آلة بيد الجمعية كوزارة
حقي باشا فإننا لا مندوحة لنا عن الوقوف لها بالمرصاد، وقد انتهينا إلى وقت لا
يمكن السكوت معه والانتظار.
إن الدولة على خطر لا يمكن لعاصمة البيزنطيين الخروج منه ولا
يرجى للإسلام خير منها، فإذا كان محمود شوكت باشا رجلا فليكسر
جميع تلك القيود والمقاطر، ويقطع جميع هاتيك الأغلال والسلاسل، وليخرج
الدولة من ذلك السجن الذي يتحكم بها فيه الأوربيون واليهود الصهيونيون
كما شاءوا وهو عنوان الإسلام والخلافة. ولينشئ في قلب آسية عاصمة جديدة لا
إسراف فيها ولا تبذير، ولا فخفخة فيها ولا غرور، ولا مكر يهودي،
ولا كيد اتحادي، ولا ضغط أوربي، وليقم الحكومة الجديدة على أساس
اللامركزية، ويجعلها شق الأبلمة بن الأمتين العربية والتركية، بحيث
يكونان أمة واحدة قوية، وينفذ ذلك بهمة تجمع بين العدل والاستبداد، بعد أن
ينظف الجيش مما طرأ عليه من الفساد، ويقتل القتلة الأوغاد. ولا يضيعن
الفرصة التي أضاع مثلها من قبل، وبذلك ينقذ نفسه والدولة من الخطر، وإلا
ندم حيث لا ينفعه الندم، وأسأل الله أن يهيئ لهذه الأمة فرجا ومخرجا، وإننا
لا ندخر في خدمة من يعمل لإنقاذها وسعا.
-----------------
<span class="footnote">
(1) محمود شوكت باشا، شركسي الأصل بغدادي المنشأ وليس فاروقيا ولا عربي
النسب كما شاع عقب الانقلاب ووقعنا يومئذ في الخطأ الذي وقع فيه غيرنا، وقد أخبرني أخوه الفاضل مراد بك بأصلهم وسبب وجودهم في العراق وكان رفيقا لي في سفري من بغداد إلى حلب.</span></span>
الكاتب: محمد توفيق صدقي
-----------------
<span class="footnote">