تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخلافة واستخدموه حتى في عهد سلطة الاتحاد والترقي، فقد حملت الوزارة

الاتحادية السلطان محمد رشاد في العام الماضي على إرسال أحد أنجاله بكتاب

خاص من خط يده إلى توديع ملك الإنكليز في مياه ثغر بورسعيد عند سفره

إلى الهند، لأجل الاحتفال بإلباسه تاج الإمبراطورية الهندية، وإعلان مودته

له ولدولته.

ولكن ما يدرينا الآن أن إظهار المسلمين لشدة تعلقهم بالدولة العثمانية

صار يخيف الإنكليز من عاقبته، فحملهم هذا على الرضا بإزالة سلطانها، وهل

ينفع الدولة حينئذ شدة حزن الهنود على ما أصابها، وترك طلبة العلم هنالك أكل

اللحم لتوفير المال لها؟

(2) أشار الكاتب إلى أقوال ظن أن أهل هذه البلاد اطلعوا عليها، كبيان

جريدة كامريد الدهلوية لحال المسلمين الآن، وقول الخواجة مظهر الحق

(بيرسترات لا) في محاضر ضجت بها أرجاء الهند: إن هذه الحرب أريد بها

إخراج الترك والمسلمين من أوربة، أو حرب بين الإسلام والنصرانية. وما

قاله السير جيمس مستن لفتننت غورنر في خطابه لطلبة كلية عليكرة، ونحن

نخبره أن أهل البلاد العربية لم يطلعوا على ما ذكره ولكني أظن أنه لم يقل

عندهم شيء إلا وقيل عندنا مثله أو أشد.

(3) قال: بل الخطر ظهر جليا لآسية الصغرى والشام والعراق، بل

العرب نفسها مركز قلوب المسلمين؛ فإن نفوذ أوربة في هذه البلاد أنتم أعلم به

منا، ولا شك أنكم تعرفون كيف يزداد نفوذ ألمانية كل يوم في العراق

والأناضول. وذكر طمع هذه الدولة هناك وطمع فرنسة في سورية، ونسي أو

تناسى أن طمع إنكلترة في بلاد العرب أشد وأوسع، وأن دولة أوربة أنشأت

تبحث في تقسيم أملاك الدولة في القرنين الأخيرين بتدخل أوربة وأنه لا فائدة في

إبقاء سيادة الخلافة اسما بلا مسمى.

ونقول إن خواصنا أعلم من خواصكم بكل ما قال - كما قال - ويرون

أن الذنب على الدولة لا على دول أوربة، فإن أوربة قد وصلت إلى درجة عالية

في فتح الممالك وهي ما تسميه الفتح السلمي، ومن المحال أن تبقى الدولة العثمانية

بجانبها وهي على جهلها وخللها وكسلها وعدم اهتمام رجالها بشيء غير سلب مال

الأمة لأجل التمتع به، ولو جارت الدولة تلك الدول في العلم والعمل والعدل

في أمتها والنظام والقوة، لتنافسن في التقرب إليها وتسابقن محالفتها للانتفاع من

قوتها، أوتركنها وشأنها خوفا من شدة بأسها، فهي قد تركت كل عمل نافع

واتكلت على تنازع الدول عليها، توهما أنهن لن يتفقن عليها، فخاب ظنها

وبطل وهمها.

(4) نتيجة ما تقدم والمقصد من النشرة أن إخواننا مسلمي الهند يرون

أنه يجب أن لا ترضى الدولة باستقلال ألبانية بلاد الأرنؤوط، ولا بالتنازل عن

شيء من مكدونية لأن ذلك يسقط مقام الخلافة وهيبتها ويغري الدول بالجري

على هذه الخطة في ولايات آسية، فيجب أن لا تقبل الدولة الصلح بحال من

الأحوال، وأن لا تبالي سيلان أضعاف ما سال من أنهار الدماء، فالخطر على

الدولة مترتب على الصلح، وإذا يصير الحرمان الشريفان على خطر، وقد بالغ

الكاتب في التحريض على مداومة القتال، وأتى بما أتى به من العبر والأمثال،

فعلم أنه هو وجمهور إخواننا المسلمين هناك يعتقدون أن بالعود إلى الحرب

تحفظ عظمة الخلافة ويصان الحرمان وتعلو كلمة التوحيد.

ونحن هنا نرى جمهور المصريين موافقين لإخوانهم الهنديين في رأيهم

وشعورهم، ومن يعلم هذا منهم يزداد استمساكا برأيه واطمئنانا به. وما هذا

منهم بعجيب فإنهم لا يعرفون حقيقة حال الدولة، وإنما العجيب أن يضرب

بعض الكتاب العثمانيين بهذا الدف ويردد نغمات الحرب، ويقول: إما صلح

شريف تحفظ به أدرنة أو نصف أدرنة وإما موت شريف، وذلك أن الدولة

يئست من البلقان كله إلا أدرنة التي ثبتت على الحصار.

إني ليعز علي أن تؤخذ مدينة أدرنة غنيمة باردة بترك الدولة لها صلحا،

كما عز علي أضعاف ذلك تركها مملكة طرابلس الغرب وبرقة صلحا،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٤٦