أحمد بن أبي دؤاد في بعض مذهبه، فأغرى به المعتصم، وقال: إنه شعوبي
زنديق [5] ، فحبسه مدة طويلة ثم بانت براءته له أو للواثق بعده فخلى سبيله، وكان
شاعرا أيضا، فكان يهجو أحمد بن أبي دؤاد بقوله:
لقد أصبحت تنسب في إياد ... بأن يكنى أبوك أبو دؤاد
فلو كان اسمه عمرو بن معدي ... دعيت إلى زبيد أو مراد
لئن أفسدت بالتخويف عيشي ... لما أصلحت عيشك في إياد
وإن تك قد أصبت طريف مال ... فبخلك باليسير من التلاد
هذا ما قصه الأصفهاني، وبه يظهر مبلغ تعصب ابن أبي دؤاد في مذهبه،
حتى صار يستحل لأجله الوشاية والسعاية بالأبرياء والأتقياء، ولقد آذى بذلك نفسه
فأصبح ممقوتا منسي الفضائل على كثرتها فيه، حتى قال عنه الذهبي في الميزان،
جهمي بغيض.
وحكى السبكي في ترجمة محمد بن الحسن البحاث من كبار قضاة الشافعية:
أن الصاحب بن عباد عرض عليه مرة القضاء، على شرط انتحال مذهبه، يعني
الاعتزال، فامتنع وقال: لا أبيع الدين بالدنيا، فتمثل له الصاحب بقول القائل:
فلا تجعلني للقضاة فريسة ... فإن قضاة العالمين لصوص
مجالسهم فينا مجالس شرطة وأيديهم دون الشصوص شصوص [6]
فأجابه البحاث بديهة بقوله:
سوى عصبة منهم تخص بعفة ... ولله في حكم العموم خصوص
خصومهم زان البلاد وإنما ... يزين خواتيم الملوك فصوص
وهذا أيضا مما يستنكر من مثل الصاحب، وهو ما هو، ولقد قال عنه
الثعالبي في اليتيمة: ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في
العلم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وتفرده بغايات المحاسن، وجمعه
أشتات المفاخر، إلخ. ومع هذا فهو يحول دون ذوي الكفاءة في القضاة إلا بتقليدهم
مذهبه، ولكن لا عجب ما دامت مسائل المذاهب صارت عند مقلديها عقائد،
والمعتقد لا يرفع لسوى عقيدته رأسا، ولا يقيم لغيرها وزنا، ولا يعير لمخالفها أذنا،
وبالله التوفيق.
ولقد أشار لضروب اضطهادهم، وما آلت إليه عاقبة أمرهم، الإمام تقي الدين
بن تيمية رحمه الله، في خلال فتوى له بقوله: وقد اشتهر الإمام أحمد بمحنة هؤلاء
الجهمية فإنهم أظهروا القول بإنكار صفات الله تعالى وحقائق أسمائه، وأن القرآن
مخلوق، حتى صار حقيقة قولهم تعطيل الخالق سبحانه وتعالى، ودعوا الناس إلى
ذلك، وعاقبوا من لم يجبهم إما بالقتل وإما بقطع الرزق، وإما بالعزل عن الولاية،
وإما بالحبس والضرب، وكفروا من خالفهم، فثبت الله تعالى الإمام أحمد حتى
أظهر الله به باطلهم، ونصر أهل الإيمان والسنة عليهم، وأذلهم بعد العز، وأخملهم
بعد الشهرة، واشتهر عند خواص الأمة وعوامها: أن القرآن كلام الله، غير
مخلوق، وإطلاق القول أن من قال: إنه مخلوق فقد كفر اه. وما كان أغنى
الفئتين عن الغلو والفتون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(*) تابع لما نشر في ج 11 م 16 ص 839.
(1) نقلا عما طبع له في حاشية الكامل للمبرد ج 2 ص (131) فما بعدها.
(2) يعني الإمام أحمد رحمه الله يخاطب به الأثرية.
(3) يعني الإمام أحمد رحمه الله.
(4) يعني الإمام أحمد أيضا.
(5) في الأساس: فلان شعوبي ومن الشعوبية، وهم الذين يصغرون من شأن العرب، ولا يرون لهم فضلا على غيرهم، والشين مضمومة، وفي التاج: قال ابن منظور: وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم حتى قيل لمحتقر أمر العرب شعوبي، أضافوا إلى الجمع لغلبته على الجيل الواحد كقولهم أنصاري اه وللإمام ابن قتيبة كتاب في الرد على الشعوبية سماه (كتاب العرب) ظفرت بكراريس من أوله مخطوطة، وقد نشرناها في مجلة المقتبس في الجزء (11) من المجلد (4) .
(6) جمع شص (بالكسر) حديدة عقفاء يصاد بها السمك (ويفتح) ، والشص اللص الحاذق اه قاموس.</span></span>
الكاتب: محمد سعدي بك
-----------------
<span class="footnote">