وكساها بأدق خصوصياته العالمية وبها يصبح ابنا ووارثا لكل المفكرين والشعراء
ولكل النبغاء وقواد الشعب، وبها يشابه قومه فكرا وعملا؛ لأنها تستهوي الأفراد
بتاريخها وآدابها، وهي بالحقيقة الإنسان كله لأنه سلك الإيصال للمدركات الخارجية
والآلة الجوهرية التي تساعد على العمل في العالم الخارجي فمن بين الملايين يقوم
مفكر واحد يفكر في قومه فيكتب لهم لإصلاح مجتمعهم فيأخذ الملايين عنه ما أنتجته
قريحته الذكية وينالون باللغة ما لا ينالونه بأية آلة أو واسطة أخرى، فاللغة هي
أقوى رابطة تربط الناس بعضهم ببعض لأن أخوين لا يتكلمان لغة واحدة يكونان
بعيدين أحدهما عن الآخر أكثر من غريبين يتعارفان ويتبادران السلام بلغة واحدة.
كنت وبعض الزملاء في الآستانة وكنا نختلف إلى بعض الأندية ونتكلم بلغتنا
العربية فابتدرنا شيخ يناهز الستين تتقاذفه عوامل الفرح واليأس والقنوط والأمل
والحب والبغض قال بالحرف: يا لشقاوتي هنا أبناء وطني يتكلمون العربية وأنا
أموت حسرة في الآستانة قلنا: ومن أين الشيخ؟ قال: من بغداد. قلنا: وأين
سورية من بغداد؟ قال: تجمعنا اللغة.
وقعت بين الإنكليز والأمريكان حروب طاحنة وحصلت مشاكل شتى زادت
شقة البعد بين الشعبين، ولكنهما تجاه غير الإنكليزي واحد، ويشعران بأنفسهما
أنهما أبناء بريطانيا العظمى.
لما قامت الحرب بين الإنكليز والبوير خفق قلب الهولنديين وتفتت ألما رغما
عن انقطاع العلاقة السياسية بين هولاندا والكاب منذ نحو قرن وفي حرب 187
تشيع أهل سويسرا وبلجيكا للفرنساويين وحنوا إليهم بكل جوارحهم رغما عما بينهم
وبين الفرنساويين من الفرق العظيم في الشرائع، والأخلاق والجنسية السياسية
والتذكارات التاريخية وفي حرب الشلسويك هولشتين فزع النروجيون للدنمارك
وتطوع بعضهم لمساعدتهم مع أنهم يكرهونهم ويقبحونهم وقد تحرروا من سلطتهم
بعد حروب طويلة ولا شيء يربطهم بهم سوى اللغة إلا أن هذا اللاشيء هو كل
شيء.
رقي اللغة عنوان رقي الأمة وانحطاط اللغة دليل على انحطاط الأمة لأنها
تتخذ أهمية إذا استخدمتها الأمة آلة لنهوضها ورقيها وتقل أهميتها إذا كانت الأمة
منحطة ومستعبدة للفئة الصغرى منها المستبدة بأحكامها؛ لأن في مثل هذه الحال لا
تحتاج إليها الهيئة الحاكمة لأنها لا تتنازل إلى مخاطبة الأفراد ولا يحتاج إليها
الأفراد أيضا؛ لأنه لا يحق لهم أن يفرغوا ما في قلوبهم في قالب من الكلام الحسن
ولا يبقى منها إلا ما يلزم القرويين للتفاهم أو للهذر والمزاح أو للعداوة والتحسر
والشتم، وقانون الاستبداد يقضي بإظلام البصائر فيحب الظلام ويقبح النور ويسد
سبل التهذيب ويقفل أبواب المدارس ويجعل السوط قاموس اللغة ومتنها وكل
علومها وآدابها، والشريف في الأمة لا يرى ما يدعوه إلى التعلم لأن حقوقه يؤيدها
شرف الولادة فهو سيد بدون أن يفتح فما أو أن يغمس قلما في دواة.
فالجنسية في هذه الحالة واطئة؛ لأن علامتها الرئيسية واطئة، إلا أن الأحوال
تغيرت في هذه الأيام حتى في روسيا وتركيا وأصبح لكل فرد من أفراد الرعية حق
الدفاع عن نفسه وأن يعلو فوق الحد الذي وضعته فيه أحوال ولادته، وفتحت أبواب
التعليم وانتشرت الجرائد، وأعطيت حرية الخطابة فاتسع نطاق اللغة ورقت
حواشيها وسمت آدابها، وأمعن فيها الكبير والصغير والغني والفقير حتى الملوك
أنفسهم؛ إذ علموا أن لا بد لهم من سهولة الكلام في كثير من الأحوال، وأصبح كل
عقبة تقف في سبيل استعمال اللغة الخاصة بالأمة أو كل ضغط يوجب لغة أجنبية
عارا وعنفا لا يحتملان، ومن كانت جنسيته الصغرى في البلاد التي يتوطنها
وكانت لغته غير اللغة الرسمية وحظر عليه استعمال لغته وأجبر على استعمال لغة
أجنبية فإنه يشعر بألم لا يعرفه إلا من مر بهذه الشقة وعانى مشقاتها لأنه يكون كعبد