تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمعنى الأول أن فلانا أخبر بمجيئك فجئت مصدقا لإخباره عنك، ومعنى الثاني أن

تؤمن بقوله وتصدقه، ولم يرد في القرآن أنه قال إنه هو أو محمد صلى الله عليه

وسلم جاء مصدقا بما معهم. (راجع أيضا صفحة 176 من هذه الرسالة) .

وإذا سلمنا أنه لا فرق بين قول القرآن: ﴿مصدقا لما معهم﴾ (البقرة:

91) وبين أن يقول: مصدقا بما معهم، فليست العبارة نصا على أنه مصدق

بكتبهم هذه التي معهم؛ إذ لم يذكر فيها لفظ الكتب، ولا يجوز أن يكون القرآن

مصدقا بجميع ما معهم من دينهم؛ لأنه رد عليهم في كثير منه. فتعين إذا أن يكون

المراد أنه مصدق ببعض ما معهم، وهذا حق، فإن القرآن يوافق دينهم في كثير من

عقائده وآدابه وتعاليمه، فدين الإسلام أقرب الأديان إليهم ومع ذلك هم نفروا منه

ورفضوه بأشد ما يرفضون الوثنية كما هو مشاهد حتى هذا اليوم، ويجوز أن يكون

المراد مصدق بأن أصل ما معهم من الله وأن فيه أشياء كثيرة صالحة للناس ونافعة

لهم وموروثة بينهم عن أنبيائهم.

وأما قوله تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا

يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه} (يوسف: 111) فالمراد به أن قصص

القرآن ليست مخترعة ولا مفتراة بدليل وجود أمثالها بين الناس قبل نزوله، فهي

وإن اختلت قليلا في بعض التفاصيل أو الجزئيات عما يرويه الناس إلا أنها توافقها

في الجملة وتصدقها في الجوهر، فلا تظنوا أيها المشركون أن النبي اخترعها بعقله،

بل اسألوا عنها أهل الكتب تجدوا أنها معروفة بينهم ومروية في كتبهم، فوجود

قصص القرآن عند الناس من قبل لا يضعف حجته كما يتوهم المبشرون، بل هو

من أعظم ما يصدقه ويؤيده؛ ولذلك ترى القرآن نفسه يستدل بها على كونه من عند

الله؛ لأن النبي لم يطلع على كتب أهل الكتاب.

ولا يستنتجن القارئ من هذه الآية أن قصص القرآن يجب أن لا تختلف عن

قصص التوراة والإنجيل في شيء ما، كلا إذ لو كان هذا الاستنتاج صحيحا لما قال

تعالى: ﴿إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون﴾ (النمل: 76) فقصصه قد تختلف عما عندهم وتبين لهم حقه من باطله. فلا منافاة

بين تصديق القرآن لقصصهم في الجملة، ومخالفته لها في بعض الجزئيات كما قلنا.

ويجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿تصديق الذي بين يديه﴾ (يونس: 37)

تصديق الحق الذي عندهم لا كل الذي عندهم وإلا لدخل في ذلك عقائدهم الفاسدة

وأوهامهم وخرافاتهم وغيرها مما جاء القرآن لإزالته ومحقه، ويستحيل أن يكون

مصدقا لما جاء لإبطاله، فتنبه لذلك ولا تكن من الغافلين.

أما استدلالهم على عدم تحريف كتبهم بما في سورة المائدة ونحوها من مدح

التوراة والإنجيل، وأمر أهلهما بالحكم بهما. فهاك بيان ما اشتبه عليهم من آيات

هذه السورة: قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة﴾ (المائدة: 44) وهي شريعة

موسى ﴿فيها هدى ونور﴾ (المائدة: 44) وهو أمر لا ننكره ونؤمن به، ولكنه

لا يفيد المبشرين شيئا في إثبات دعواهم {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين

هادوا والربانيون والأحبار} (المائدة: 44) وهم معلمو شريعة اليهود وعلماؤهم،

يحكمون ويفتون ويقضون ﴿بما استحفظوا من كتاب الله﴾ (المائدة: 44) بما

طلب منهم المحافظة عليه من التوراة، وفيه دليل على أن بعض أحكام التوراة كانت

مؤقتة ولم يطلب منهم المحافظة عليها فهم إنما يحكمون بما لم ينسخ منها {وكانوا

عليه شهداء} (المائدة: 44) أي رقباء يعلمون أنه لم يحرف لشهرته بينهم

وتواتره، فمعلمو اليهود وعلماؤهم الصالحون لا يفتون ولا يقضون إلا بما لم ينسخ من

شريعتهم وما لم يحرف منها لشيوعه وتداوله وتواتره بين الناس بالعمل به.

ولما كانت شريعتهم صالحة لزمنهم ونافعة لهم قال الله تعالى لهم: {فلا

تخشوا الناس واخشون} (المائدة: 44) إلخ؛ وذلك لأن كثيرا منهم كانوا لا

يبالون بالتوراة ويحرفونها، ويقاومون المصلحين، ويقتلون النبيين (عب 11:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٥٧