(3) يقول بعض المعتذرين عن سيئات كتبهم وأنبيائهم: إن جريمة لوط سكره وزناه بابنتيه (تك 19: 30 - 38) هي منحصرة في السكر فقط؛ لأنه ارتكب ما ارتكب وهو لا يعي شيئا والحكمة عندهم في ذكر هذه القصة هي إظهار درجة قبح شرب الخمر وبيان ما تؤدي إليه، مع أن القصة ذكرت في كتبهم كأنها أمر عادي، وكأن لوطا لم يرتكب منكرا حتى لم يذكر أن الله وبخه أو عاقبه على ذلك أو أنه تاب من ذنبه، بل قال: إن ابنتيه حملتا من هذا الزنا ومنهما تناسل بعض الأمم الموآبيين وبني عمون، وبعد ذلك سماه الكتاب المقدس بارا (2 بط 2: 7-9) فأي عبارة أتى بها الكاتب في قصته هذه لبيان شناعة هذا العمل الفظيع واستقباحه له أو وجوب التوبة منه؟ ومن من الناس يجهل مضار الخمر، وهي عند السكيرين أنفسهم أم الخبائث وكلهم يعرفون ذلك ويعترفون به وبضعف إرادتهم عن تجنبها فما فائدة هذه القصة إذا؟ ولماذا لم ينتخب الكاتب حادثة أخرى من التي وقعت على أيدي الأشرار السكيرين وهي كثيرة في كل زمان ومكان، بحيث تكون العبرة فيها أظهر وأوضح لبيان شناعة الخمر وقبحها وضررها إذا صح أن هذا هو حقيقة غرض الكاتب من ذكر هذه القصة؟ أما كان الأولى بكتبهم أن لا تبيح لهم الخمر ولا تأمرهم بشربها بدلا من ذكر هذه القصص الساقطة؟ أو لا يشعر الإنسان عند قراءتها أنها تهيئ الأشرار الأدنياء لارتكاب أفظع المنكرات أكثر مما تزجرهم عنها؛ لأنه إذا كان لوط نبي الله الذي اختاره الله لوحيه وكلامه ولإرشاد الناس لم يقدر على منع نفسه عن السكر وأقبح الفسق فكيف بهم وهم من أضعف المخلوقين؟ وكيف يقدرون على ما لم يقدر عليه الأنبياء المختارون المؤيدون بعناية الله ورعايته؟ وإذا صح أن لوطا كان لا يعي شيئا حتى لم يقدر أن يميز بناته من غيرهن فكيف أمكنه مجامعتهن، والحالة هذه مع العلم بأن الإنسان إذا اشتد سكره إلى درجة عدم تمييز بناته ومعرفتهن وفقد شعوره حتى لم يعلم باضطجاعهن ولا بقيامهن كما قال سفر التكوين (19: 33 و35) فلا يقوى على أي عمل أو أي حركة مقصودة، إذا لوط ما زنى إلا بعلمه وإرادته وإنما كان تأثير الخمر عليه كعادتها، أنها جرأته على ارتكاب أكبر جريمة وأضعفت قوته على مقاومة شهوته هذه البهيمية بل الأحط، وإذا فهو مسئول عما اقترف كما في قوانين الأمم الراقية، ومن أعجب العجائب أنه مع علمه بذنبه هذا ومعرفته لابنته، كما بينا، وزناه بها في أول ليلة وشعوره بأنه لم يقدر على مقاومة نفسه بسبب تأثير الخمر عليه عاد في الليلة الثانية فسكر مع ابنته الأخرى وزنى بها أيضا وافتضها كالأولى، فلم كال الله له بغير ما كال به لقومه، ولم يخسف به الأرض مثلهم مع أن إثمه أكبر وجرمه أفظع؟ أفلا تنفر النفوس من مثل هؤلاء الأنبياء وهم أنفسهم لم يعملوا بما يعظون به غيرهم؟ ثم ألا تضيع بذلك الفائدة من بعثتهم؟ فالحق أن هذه القصص مستحيلة على أنبياء الله بل على فضلاء البشر، ولولا ذلك ما سمى كتابهم لوطا بارا تقيا كما سبق، وإنما افتجر اليهود هذه القصص تبريرا لشرورهم الكثيرة وعصيانهم لله مرات عديدة واعتذارا بها عن جرائمهم وآثامهم المتكررة فكأن كاتبها يقول: إذا كان أنبياء الله لم يقووا على الاستقامة فكيف يقوى أمثالنا عليها ونحن أضعف منهم، وكيف بعد ذلك يطالبوننا بالصلاح والتقوى أو يلوموننا على العصيان والفسوق؟ وإذا كان الله غفر للأنبياء هذه الجرائم كلها، ولم يغضب عليهم ولم ينبذهم نبذ النواة بل رضي عنهم فلم لا يرضى كذلك عن اليهود ويغفر لهم كل ما اقترفوه؟ هذا وغيره كما يأتي، ربما كان هو الحامل لكتاب اليهود على افتجار هذه الأقاصيص واختراع هذه الأكاذيب لإرضاء أمتهم وملوكهم الفاسقين، ومكانها من الصحة لا يخفى إلا على من فقد كل تمييز فكاتبها إنما هو دساس فاسق يريد بها غالبا ترويج الفسق والفجور وإشاعة الفاحشة في الصالحين وستر قبائحه وقبائح قومه وإسكات اللائمين، فهذه يا قوم إحدى قصص هذه الكتب التي يقولون: إنها لا تنشر إلا الفضيلة بين الناس، وقال العلامة لينج في كتابه الأصول البشرية صفحة 87 ما مضمونه: إن السبب الذي حمل اليهود على افتجار قصة لوط هذه هو بغضهم الشديد لنسله الموآبيين والعمونيين مع أنهم أقاربهم، فقد كانت العداوة بين الفريقين شديدة جدا ومتأصلة فيهم من قديم الزمان كما لا يخفى على المطلعين على كتب اليهود (انظر مثلا تث 23: 2-6) .
مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٤٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٤٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي