مدنها وتخطيط دروبها، وترقية سكانها ورفعة شأنها، وما أشبه ذلك من وسائل
القوة وأسباب الثروة.
فإن فضائل الشعب العربي الكريم لا تزال كامنة فيه كمون النار في الزناد،
واستعداده الفطري لا يزال راسخا في طبيعته رسوخ الجبال على المهاد،
وخصائصه ومميزاته وأخلاقه وصفاته لا تنفك قائمة فيه ومتمكنة منه، لا ينتزعها
نازع، ولا يبدلها تبدل الأقاليم والمواضع، ولا تقلعها أعاصير المظالم والزعازع،
ألا وإن العرب ليسوا بحديثي نعمة في المدنية والمجد كسائر الأمم التي قامت
وسقطت، وظهرت ثم اختفت، وارتفعت ثم هبطت، ووجدت ثم عدمت، وأحيت
ثم ماتت، فإن العرب كما قال السيد الإمام [2] : أعرق الأمم في العلم والمدنية
والفضائل، تدل على ذلك لغتهم الراقية الواسعة، ويشهد لهم به التاريخ، فشريعة
حمورابي أقدم الشرائع المعروفة كانت عربية والشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع
ومكملتها عربية، والمدنيتان الآشورية والمصرية أصلهما عربي، وكل ما بعدهما
مقتبس منهما ومبني على أساسهما كالمدنية اليونانية والرومانية.
فتهيئة العرب للوثوب، وإنهاضهم لرد المسلوب، وتنبيههم لحفظ الموجود،
وتنشيطهم على إرجاع المفقود، لا تحتاج إلى عناء كبير وعمل خطير، ووقت
وفير ومال كثير، فما هو إلا إزالة الرماد عن تلك الجذوة المدفونة، وقدح الزناد
لإشعال تلك النار الكامنة، والتوفيق بينهم وبين حكام الآستانة، ولا أقول بينهم وبين
إخوانهم الترك، فإن حكومة الآستانة لم تغز جزيرة العرب مرة من المرار العديدة
برأي ترك الأناضول ولا ترك تركستان.
فيا أرباب الأفكار المنيرة من المسلمين تفكروا في حالكم، ويا أصحاب العقول
الكبيرة من المؤمنين تدبروا في مآلكم، ويا ذوي القلوب البصيرة من الموحدين
انظروا إلى مصيركم في مسيركم، ويا أهل الغيرة من المحمديين هذا وقت الغيرة
على دينكم وأمتكم، فأين شهامتكم وحميتكم؟ أين نجدتكم ومروءتكم؟ أين إخلاصكم
في محبتكم؟ أين صدقكم في غيرتكم؟
قوموا - بارك الله فيكم - فشدوا أزر العرب إخوانكم وساعدوهم على حماية
دينكم، وحياط جامعتكم، وحفظ وحدتكم، ووقاية قبلتكم وكعبتكم، وصيانة قبر
نبيكم، جودوا عليهم بالأموال، شاركوهم في الأعمال، تحملوا معهم بعض الأثقال،
وأعدوهم لميادين القتال، أسسوا لهم وفيهم المدارس العلمية، وشيدوا بينهم المعاهد
الفنية، وبثوا فيهم المعارف العصرية، ومدوهم بوسائل الحياة والدعة، وأسباب
القوة والمنعة، ليقوموا بما فطروا عليه وعهد فيهم من الأعمال الكبيرة، والأفعال
المدهشة الخطيرة.
قوموا - أيدكم الله ورعاكم - فحققوا دعوة أبيكم إبراهيم الحنيف في ذريته
المباركة التي أسكنها بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، ليقيموا الصلاة
ويحيوا الموات، وينفخوا روح الحياة الطيبة النافعة في العالم، فأهووا إليهم بأفئدتكم،
واصرفوا عليهم من ثمرات عقولكم ومعارفكم، وابذلوا لهم من أموالكم ما تمكنكم
منه مقدرتكم؛ لتطمئن منهم النفس ويستريح البال فيشكروا الله على العناية
والإفضال، وينتاشوكم من مساقط الذلة والهوان، ويهبوا بكم إلى مراقي السعادة
والأمان: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا
ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم
يشكرون} (إبراهيم: 37) .
قوموا - حاطكم الله بستره الوافي ومنعه الكافي - فآثروا بأموالكم ومساعيكم
إخوانكم العرب مؤسسي جامعتكم، وموجدي عزتكم وأصل سعادتكم، وأيقظوهم من
هذا النوم الذي امتد وطال لتبعثكم من مقابر الخمول يقظتهم، وأحيوهم من هذا
الموت الأدبي الذي جلبه عليهم الأنذال؛ لتحيا بحياتهم أمتكم من موتها العلمي
والسياسي والحربي، وتعتزوا بعزهم، وتسلموا بسلامتهم، وتصان معاهد الدين
بعزائمهم وتتأيد سلطة الشرع بهممهم، ويعود إليكم ما كان لديكم من المدينة الفاضلة،