تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجنسية اللغوية، بالجنسية الإسلامية القرآنية، فلا ترجى مع بقائهما بهذه العصبية

الجاهلية، حياة الإسلام بالقرآن والسنة السنية، إلا أن يثوبا إلى رشدهما بالعرب

والعربية.

أما العنصر الأفغاني ومن على شاكلته من الإمارات الصغيرة المبعثرة هنا

وهناك، فهو وإن كان مستقلا في بلاده، مختارا في أموره وأعماله، لم تأبه له

أوربا ولم تعبأ به، وهو في الحقيقة لا في العير ولا في النفير، ولا أمل لأحد فيها

بأن يرد للأمة مقدار فتيل مما سلب منها أو نقير، فلم يبق أمام جمعيات أوربا من

العقبات الشديدة لبلوغ أمنيتها من محو الإسلام تماما وإذلال أبنائه قاطبة ووضع

أغلال الاستعباد في أعناقهم، وانتزاع سائر ممتلكاتهم من أيديهم، إلا عنصر واحد

هو أكبر العناصر الإسلامية وأفضلها، وأغيرها على الدين وأجدرها بالقيام بأمر

المسلمين، ألا وهو العنصر العربي الذي أعز الله به الإسلام، ورفع مقامه فوق كل

المقامات، وبه شيد صرح الإيمان، وأعلى كلمة الرحمن، وأخرج الناس من

الظلمات إلى النور، وهداهم إلى الطرق المثلى في جميع الأمور، وجعل - تعالت

قدرته - بلاد هذا العنصر الأبي، مشرق هذا النور الإلهي، ومنبع حكمته، ومنار

هدايته، ومصدر تعليمه وتربيته، ومظهر جلاله وعظمته، واختارها جل ثناؤه

مقرا لبيته الحرام مطاف العائذين، ومطهر المذنبين، وقبلة المسلمين في سائر

الأرضين.

فإذا غلب الأجانب العرب على أمرهم، وأنشبوا براثنهم في أحشاء بلادهم فلا

عاصم للأمة بعد ذلك من أمر الله ولا ملجأ ولا منجاة لها من نوائب الدهر وغوائله،

ولتوطن نفسها على استقبال الموت الأحمر والبلاء الأسود، ثم الفناء والزوال، أو

الرسوف في أغلال الاستعباد إلى أبد الآباد، ومهما سلمت الأمة العربية والبلاد

العربية، فإن النفوس تظل مطمئنة راجية أن يعتز الإسلام بها يوما من الأيام.

ألا وإن الخطر الذي يلحق بالإسلام من استيلاء الأجانب - الذين فرغوا له

الآن - على الأمة العربية والبلاد العربية، أشد وأمضى من كل خطر يصيبه من

استيلائهم على غيرهما من العناصر والبلاد الإسلامية؛ لأن العرب كما لا يخفى

روح الإسلام وعزه، وبلادهم نقطة دائرته ومركزه، فالاستيلاء عليهما استيلاء

على قلب الإسلام وضربة على أم دماغ الأمة، فلا يرجى لها بعدها انتعاش أو قيام،

وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا ذلت العرب ذل الإسلام [1] ) وإذا ذل الإسلام

فقل على الدنيا وما فيها السلام، فإن الخسارة تنتج من ذله، والضر الذي يترتب

على هوانه وزواله، يعمان البشر قاطبة ويشملان الموجودات طرا؛ لأنه الدين

الذي رضيه الله لعباده، وأكمل به الأديان، والشرع الذي ما بعد شرع ينتظر

لإصلاح بني الإنسان: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم

الإسلام دينا} (المائدة: 3) .

فإذا رغب المسلمون في بقاء جامعتهم وحياة أمتهم، ورفع كلمتهم وحماية

شريعتهم، وحفظ وجودهم وصيانة حقوقهم، وأن يقام لهم وزن بين الأمم، وتقوم

لهم ومنهم دولة مهابة عزيزة بين الدول، وإن أرادوا أن يحافظوا على الوديعة التي

أودعت لديهم، والأمانة التي بعد أن عرضت على السموات والأرض فأبين أن

يحملنها فوضت إليهم، وهي وديعة التوحيد، وأمانة الإيمان بالعلي المجيد، وأن

يتمموا ما بدءوا به من إصلاح البشر إصلاحا يجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة،

وسعادتي الروح والجسم وطيب المعاش والمعاد، إذا أرادوا هذا ورغبوا في ذاك

فالواجب على عامتهم وخاصتهم قريبهم وبعيدهم عربيهم وعجميهم أن يقوموا بإحياء

البلاد العربية بكل وسائل الحياة، وتقوية الأمة العربية بجميع أنواع القوى، وأن

يسدوا أولا بكل ما لديهم من حول وقوة كل منفذ من المنافذ التي يدخل منها الأجانب

لإفساد هذا الشعب الكريم والتلاعب به، واستدراجه وإيقاعه في حبائل مكرهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٢٩