دليل آخر، والعدد لا نهاية له، فلا بد لمثبت التعدد من دليل يرجح به العدد الذي
يدعيه على غيره. وتعلم من دلائل أخرى مبنية على تلك الدلائل، فمقالة المقتطف
التي أشرنا إليها آنفا تثبت وجود الله تعالى ووحدانيته معا، وما قال المقتطف: إن
التوحيد إنما عرف بالإلهام إلا ذهولا عن هذا المعنى وعن دلائل التوحيد الأخرى،
وسبحان المنزه عن الغفلة والذهول.
وجمهور فلاسفة اليونان كانوا إلهيين موحدين وأثبتوا وجود الواجب بالأدلة
النظرية، وهؤلاء هم الفلاسفة الإلهيون، وأما الماديون فلا يثبتون إلها ليثبتوا
توحيده، وما ذكر في خرافات اليونان من تعدد الآلهة لا يعني به أن واجب الوجود
الذي يطلقون عليه اسم (علة العلل) أي لكل موجود حقيقة لها عدة أفراد، وإنما ذلك
مبني على نظريات أخرى في نظام كل أمر كلي عام، لا محل هنا لشرحها،
لا يتسع وقتنا الآن ولا هذا الجزء من المنار لإطالة الكلام في هذه المسألة فنكتفي بأن
نذكر السائل - وهو من أهل العلم الذين تكفيهم الإشارة - ببعض البراهين العقلية
والطبيعية:
فمنها الاستدلال بوجود الممكنات في جملتها على وجود الواجب؛ إذ يستحيل
أن تكون قد أوجدت نفسها، وأن تكون وجدت من العدم المحض بدون موجد فلم يبق
إلا أن لها منشئا وجوديا آخر ليس من جنسها، أي ليس من الممكنات، وهو الواجب
الأزلي الذي وجوده ذاتي له، وهو حقيقة واحدة اضطر العقل إلى إثباتها مع عدم
معرفة كنهها، فلا مجال لدعوى التعدد فيها إلا التحكم والغرض رجما بالغيب من
مكان بعيد.
ومنها أن فرض تعدد الوجود الواجب يوقع العقل في مشكلات لا يمكن
التفصي منها إلا بإبطال الفرض وإثبات الوحدة. فإن الواجب الذي أثبت العقل
وجوده هو مصدر وجود الممكنات في جملتها؛ لأن كل ممكن منها يجوز أن يكون
مصدره ممكنا آخر، وأما جملة الممكنات في أسبابها ومسبباتها، فلا يمكن أن تكون
هي مصدر نفسها ولا أن يكون جزء منها مصدر الكل، ولا أن تكون من العدم
المحض بغير موجد كما تقدم آنفا، فالوجود الواجب الذي أثبتناه هو مصدر مجموع
الممكنات، ولا معنى لذلك إلا أنها صادرة بإرادته حسب علمه وهما صفتان ذاتيتان
واجبتان له، فإذا فرضنا وجود واجب آخر يكون ذلك تناقضا معناه أن جملة
الممكنات صادرة عن كل منهما غير صادرة عنه؛ لأن القول بصدورها عن كل
واجد يقتضي عدم صدورها عن الآخر الذي هو غيره ذاتا وعلما وإرادة، فإذا
استطعت أن تفرض وجود واجبين أو أكثر؛ لأن الفرض لا حجر فيه فيتناول
المحال، فإنك لا تستطيع أن تثبت ذلك ولا أن تتفصى من مشاكله.
ولك أن تقول من وجه آخر: إن الخالق هو مصدر هذه الموجودات ومصدر
التدبير والنظام فيها، فإذا فرضنا تعدده المستلزم لاختلاف صفاته من العلم والحكمة
والإرادة والقدرة؛ إذ لا معنى للتعدد إلا هذا، لزم من هذا الفرض أن يكون التدبير
والنظام صادرين عن علمين أو علوم مختلفة وإرادات متباينة وذلك يستلزم اختلاف
المرادات لاختلاف المعلومات، التابعين لاختلاف كنه الذات، وبذلك يختل النظام
وتفسد الكائنات. وهو هذا برهان التمانع في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا
الله لفسدتا} (الأنبياء: 22) أي في السموات والأرض.
ومن الأدلة الكونية الطبيعية على الوحدانية ما يؤخذ من قول جماهير علماء
الكون إن لمجموع الكائنات مصدر وحدة من حيث المادة والقوة، مجهول الكنه
والحقيقة.
دع ما يدل عليه النظام العام في الخلق من وحدة مصدره، ودع ما يدل عليه
العلم الطبيعي من كون العناصر البسيطة التي يتركب منها عالم المادة لا بد لها من
مبدأ وحدة، وتذكر قولهم: إن الفاعل في مادة الكون الأولى الذي جعلها أطوارا
انتقلت من طور منها إلى طور بسنن طبيعية مطردة في منتهى الإبداع والنظام إنما
هو شيء وجودي سموه القوة.
وتذكر اعترافهم بالعجز عن معرفة كنه تلك القوة التي هي حقيقة واحدة، وأن