ذبائحهم. اه. ولا يشك أن مرادهم: أولئك الزنادقة الملاحدة الذين تستروا
بالتجهم والتشيع. أما صالحو الجهمية والشيعة فبمعزل عن هذا الجرح كما لا
يخفى.
* * *
(15)
رأي الجهمية في الأثرية
لما كان القصد مما جمعناه الوقوف على الحقائق التاريخية فيه، كان من تمامه
العلم بآراء هذه الفرق بعضها في بعض، ليزداد بصيرة في مذهبها من يروم
مناقشتها الحساب، قال الإمام ابن بطة: ومن كلامهم، يعني الجهمية: من انتحل
مذهب الأثر واعتقد ما في الأحاديث على ظاهرها، فهو حشوي زائغ، وعند
التحقيق كافر [3] . اه.
وقال الأديب عبد المؤمن الأصفهاني في أطباق الذهب [4] ما مثاله: مثل
المقلد بين يدي المحقق، مثل الضرير بين يدي البصير المحدق، ومثل الحكيم
والحشوي، كالميتة والمشوي، ما المقلد إلا جمل مخشوش له عمل مغشوش،
قصاراه لوح منقوش، يقنع بظواهر الكلمات ولا يعرف النور من الظلمات،
يركض خيول الخيال، في ظلال الضلال، شغله نقل النقل، عن نخبة العقل،
وأقنعه رواية الرواية عن در الدراية، يروي في الدين عن شيخ هم، كمن يقوده
أعمى في ليل مدلهم، ومن طلب العلم بالعنعنت، تورط في هوة العنت، والحق
وراء السماع، والعلم بمعزل عن الرقاع، فما أسعد من هدي إلى العلم ونزل رباعه،
وأري الحق حقا ورزق اتباعه، وما أشقى جهالا قلدوا الآباء فهم على آثارهم
مقتدون: ﴿أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ (البقرة: 170) .
ومن مثل هذا يعلم مبلغ نفرة الجهمية من الأثر والأثريين، ونبذهم إياهم بما
تجل أقدارهم عنه، ولئن وجد في الرواة من جعل همه التوسع في الرواية دون
الدراية، وهم الذين عناهم الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، إلا أن أئمة الرواية لم
يقنعوا إلا بالبحث والتأصيل والتفريع والتخريج، وقد طبق علمهم الآفاق، وسارت
بمذاهبهم وأصولهم الركبان، وسنذكر تفريط الجهمية في المنقول، وهو ما حداهم
إلى النيل من أهله، وبالله التوفيق.
* * *
(16)
تفريط الجهمية في السمع والنقل، وسواهم في العناية بالعقل
من المعلوم أن الجهمية قصروا في علم السمع والنقل، وهو علم الرواية،
فجانبوا كثيرا من المرويات المشهورة المعروفة عند أهلها، وتمحلوا في ردها أو
تأويلها بما لا يرتضيه منصف، ففاتهم ركن عظيم من أركان أصول الشرع وهو
السنة، وما يتبعها من علومها المتنوعة، وفنونها المحررة، وهل يزري بعلم زخر
بحره، وتلاطم بالشرائع موجه؟
قال المقبلي في العلم الشامخ في تخطئة المعتزلة في رد الحديث الصحيح
بمجرد الرأي ما مثاله: فإن صح الحديث لزمنا تصديقه، فإن فهمنا معناه وإلا رددنا
علمه إلى الله سبحانه، ولكن هذه طريقة اعتمدها متكلمة المعتزلة، وهي مردودة
عقلا وسمعا، فلذا ردوا أحاديث الصفات، وفي القرآن ما في الحديث من ذلك وما
ينبغي التفرقة بينهما، وما أحسن جواب بعض المحدثين، وقد سئل عن أحاديث
الصفات فقال: (رواها الذين رووا لنا الصلاة والزكاة وسائر الشريعة) فالواجب
تسليم ما صح، وما اشتبه معناه رددناه إلى الله سبحانه، فلا يغرنك قولهم آحادي فلا
نقبله في مقابلة العقل؛ لأن ما رواه الثقات مقبول، وإلا اطرحنا أكثر الشريعة،
والدليل على قبول الآحاد شامل لكل الدين، والتفرقة جاءت من قبلهم لا من قبل الله
ورسوله؛ إذ العقل قد فرضنا أنه لم يدرك حقيقة ذلك، فكيف يقال: إنه مصادم
له. اه.
وأما خصوم الجهمية فهم أتقنوا علم السمع، وعلموا منه كثيرا من القواعد،
وتواتر من السمع لهم ما لم يتواتر لغيرهم، إلا أنهم ظنوا أن العلوم العقلية معارضة
لما عرفوه من السمع الحق، وحسبوا أن الإصغاء لعلم المعقول والنظر إليه يستلزم
البدعة من غير بد، مع أن العقل السليم لا ينافي السمع الصحيح، قال الإمام
الغزالي رحمه الله في الإحياء: لا غنى بالعقل عن السماع، ولا غنى بالسماع عن
العقل، فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل، والمكتفي بمجرد