تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشارعين.

(9) قارن ذلك بقول القرآن الشريف: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء: 59) لاحظ قوله هنا (منكم) (النساء: 59) : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) (النساء: 59) وهو صريح في أن طاعة أولي الأمر لا تجب علينا إلا فيما لا يخالف الدين فإن اشتبه علينا الأمر جاز لنا أن نتوقف وننازعهم فيه ووجب أن نرده إذا إلى الله ورسوله، أي إن كان حيا، حتى لا نعمل إلا بما وافق الدين وهو يدل على وجوب العمل بالقياس والاستنباط المبنيين على العقل والتفكر فيما أوحاه الله إلينا، والرد إلى الرسول في زمنه واجب؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان أعقلهم وهو أدرى الناس وأعلمهم بأسرار شريعته ومع ذلك فهو مأمور بالشورى بنص قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) (آل عمران: 159) ولذلك كان عليه السلام يستشير أصحابه وكان منهم من يعارضه في أفكاره وآرائه حتى كان يرجع عن رأيه لرأيهم، ولكن إذا قرر شيئا بعد الشورى وبعد النظر في الكتاب العزيز ولو خالفهم فيه وجب الإذعان له وإطاعته فإنه كان يرى ما لا يرونه ولذلك قال تعالى: (فردوه إلى الله والرسول) (النساء: 59) والرد إليه خاص بزمنه وفي القرآن نحو ذلك من الآيات كثير كقوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) (النور: 63) وقوله: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) (الحجرات: 2) وقوله: (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) (المجادلة: 12) أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فيرد الأمر كله إلى كتاب الله أو إلى ما علم عنه صلى الله عليه وسلم باليقين، والذين يردون الأمر هم نواب الأمة ورؤساؤها وأولياء أمرها لقوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (النساء: 83) والمستنبطون الأمر من كتاب الله هم هؤلاء الناس الخاصة من المؤمنين لا العامة منهم ويجب عليهم في بحثهم واستنباطهم مشاورة بعضهم بعضا بحيث لا يستبد أحد بالأمر فيهم لقوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) (الشورى: 38) فإذا قرروا شيئا بعد ذلك وجب على عامة الأمة إطاعته ما لم يكن مخالفا لدين الله فإن ذلك بالضرورة لا يكون مستنبطا منه، وإذا اختلف هؤلاء المستنبطون معا وتساوى عددهم ولم يمكن الترجيح بينهم كان للأمة الحق في أن تعمل بما تراه من آرائهم أقرب إلى نصوص الدين، هذا هو ما يستفاد من مجموع آيات القرآن في هذا الباب فأي مبادئ أدعى من هذه إلى العدل ومنع الاستبداد وإيجاب الشورى والتفكر والحرية وعزة النفس؟ وأي فرق بينها وبين نظامات أرقى أمم العالم الحالي النيابية والدستورية؟ وإلى أي الدينين الإسلام أو المسيحية ترى أن مبادئ هذه الأمم الراقية أقرب أو أشبه؟ وأنت ترى أن المسيحية توجب عليك الخضوع للسلاطين ولو كانوا ظالمين وتنص على أن سلطتهم هي من الله وأن من قاومها فقد قاوم الله واستحق عقابه كما قال بولس إرضاء للقوة الحاكمة في زمنه وتملقا لها كعادته (رو 13: 1-7) وقال بطرس أيضا (1 بط 2: 3) (فاخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب إن كان للملك فكمن هو فوق الكل أو للولاة فكمرسلين منه للانتقام من فاعلي الشر وللمدح لفاعلي الخير إلى قوله: أيها الخدام (أي العبيد) كونوا خاضعين بكل هيبة للسادة ليس للصالحين المترفقين فقط للعنفاء

أيضا) فأين ذلك من القرآن الذي قال: (ولا يعصينك في معروف) (الممتحنة: 12) وقال: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات: 13) وقال: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (المنافقون: 8) والذي ألزم الناس بعتق من طلب الحرية من الأرقاء مكاتبة إن علمنا صلاحيته لذلك وأوجب عليهم إمداده بالمال حتى يقدر على مكاتبة سيده فقال تعالى: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (النور: 33) وأحكام الرق في الإسلام شهيرة، وهي من أعظم ما يفتخر به في هذا العصر وما وصلت إلى مثلها أوربة إلا بشق الأنفس وبعد قرون عديدة بفضل ديننا وكتبه (وقد بينا شيئا مثلها في كتابنا الإسلام في الرد على اللورد كرومر ص 17 - 19 و40 - 46 فليراجعه من شاء) ولكنا نعذر مؤسسي النصرانية كبولس وبطرس فيما قالا، فإنهما لو فاها ببنت شفة يفهم منها الانتقاد على نظامات الرومان إذ ذاك أو الخروج عليهم لما أبقوا للنصرانية باقية فكانت تلك السياسية في منتهى الحسن في زمن ضعفهم وذلهم فإنهم كانوا يتقون كل ما يوجب إيذاءهم واضطهادهم وخصوصا مثل تلك المسائل السياسية ولذلك ترى الآن محققي المؤرخين من الإفرنج أنفسهم يشكون في أكثر قصص اضطهاد النصارى الأولين بعد أن علمت مسالمتهم وخنوعهم إذ لا يفهم هؤلاء المحققون سببا لها وقد كان الرومانيون واسعي الصدر أحرارا في المسائل الدينية وخصوصا مع رعاياهم الضعفاء الأذلاء الخاضعين لهم كمال الخضوع كهؤلاء النصارى الأقدمين. ... ... ... ... ... ... ... ... ...</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣١٣