القصر في السفر رخصة، ثم قوله: إنها سنة، فيوافق قول الشافعية وقد رجحنا في
التفسير وغير التفسير خلافه، وأنه واجب وتمام وعزيمة؛ ولذلك لم يتم النبي صلى
الله عليه وسلم الظهر والعصر والعشاء في سفر قط، وبه صرحت عائشة كما
ثبت في صحيح البخاري، وفي كتاب الجامع الصحيح للفراهيدي المعتمد عند
الإباضية، قال شارحه الشيخ عبيد الله بن حميد السالمي، وهو من أشهر علمائهم
في هذا العصر: وقد أخذ بظاهره أصحابنا والحنفية والهادوية فالقصر عندنا
واجب لا جائز فقط، وهو المروي عن عمر وعلي، ونسبه النووي إلى كثير
من أهل العلم، قال الخطابي: كان مذهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار
على أن القصر هو الواجب في السفر. إلخ.
ثم أورد ما اعترض به على هذا القول وأجاب عنه، ومنه آية {فليس عليكم
جناح أن تقصروا من الصلاة} (النساء: 101) قال: إنها نزلت في صلاة
الخوف لا السفر، وإن نفي الجناح لا يستلزم نفي الوجوب.
أقول: وهو الصواب الذي حققناه في التفسير من قبل، ومنه حديث عمر:
(صدقة من الله) إلخ، وأجاب عنه بأن كونه رخصة وتخفيفا لا ينافي كونه تماما،
فإنما ذلك بالنظر إلى الأربع المفروضة في الحضر، وذكر حديثا مرفوعا بغير سند:
الركعتان في السفر ليستا قصرا إنما القصر واحدة عند الخوف وأجاب غيره عن
حديث عمر بأن قوله صلى الله عليه وسلم: (فاقبلوا صدقته) أمر بقبول القصر
وهو للوجوب، وأما ما ذكره في مسافة القصر فهو قريب مما بيناه في التفسير وفي
مجلدي المنار السابع والثالث عشر، وأنه صح (ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ)
والاحتياط الأخذ بالثلاثة فراسخ، وما ذكره من فروع المسألة لم يذكر له دليلا.
وأما ما قاله في افتتاح الصلاة بسبحانك اللهم وبحمدك فلم يصح فيه حديث
مرفوع كما قلنا، وأقوى ما ورد فيه أن عمر رفع صوته به؛ ليعلمه الناس فيقال:
لولا أنه سنة تلقاها عن النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل.
وأما قوله في التأمين: إنه لم يبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فجوابه أنه بلغ غيرهم، وقد صحت الرواية فيه عند أهل السنة والجماعة، ومن
حفظ حجة على من لم يحفظ، على أن الإباضية يوافقون الحنفية في هذا القول،
ومتى صحت السنة كانت حجة على كل مسلم.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: مرجليوث
-----------------
<span class="footnote">