من قبله إلى الصدر الأعظم حسين حلمي باشا أولا، ثم إلى ناظر الداخلية طلعت بك
وأن أرجع إليه فأخبره بما يقولان، ثم كانت سيرته معي أو سيرتي معه هكذا: كلما
تجدد شيء في السعي أخبره به ويذكر لي رأيه فيه، وقد كنت أجلس عنده الساعة
والساعتين وأكتب من كلامه ما أراه جديرا بأن يكتب في دفتر المذكرات المؤرخ،
ومنه كلمة فلتت بالمناسبة في رأيه في زعماء الاتحاديين أشرت إليها في مقال سابق
من غير عزو إليه، وهي قوله بمناسبة وعد طلعت بك وحقي باشا بتنفيذ المشروع:
(هل صدقت؟ إن هؤلاء ظاهرهم غير باطنهم) .
لو أن محمود شوكت باشا شجاع لأسقط الجمعية وأصلحها ولو أنه أمر
بمحاكمة قاتلي سلفه ناظم باشا لما اشتد السخط عليه وأقدم من أقدم على قتله.
ذهب معي مرة لزيارته صديقي السيد عبد الحميد الزهراوي وكان مبعوثا فأثنينا
على خطبته التي خطبها في نظارة الحربية بوجوب امتناع الضباط من الاشتغال
بالسياسة وقلنا له: إننا لا نزال نراهم على حالهم لم يمتنعوا، وذكرنا له حادثة
كانت وقعت في نابلس من أقبح حوادثهم وأفظعها في العدوان، فقال: أما هنا فقد
امتنع اشتغالهم بالسياسة، وأما في الأماكن البعيدة كبلادكم فيحتاج منعهم ألبتة إلى
زمن، ولكن ظهر بعد ذلك رسميا ما كتبه في عريضة استقالته من نظارة الحربية
أن قوله هذا غير صحيح.
وذكرنا له مسألة التناظر والتغاير بين الترك والعرب وأعمال رجال الدولة
والجمعية التي أحدثت الخلاف وما يجب من تلافيه. فقال: إنني أسمع كلاما في
هذا لا يعجبني وأرى مستقبل الدولة لنا نحن العرب؛ لأننا أكثر عددا وأزكى فهما
وأنشط في العمل، ولكن يجب أن ندخل أولادنا مدارس الدولة ونرتقي بها، ولكنه
مع هذا لم يساعد العرب ولا كف عنهم شيئا من العدوان بل هو الذي سير الحملات
العسكرية إلى اليمن والكرك وحوران إطاعة للجمعية. على أن هذه الشدة هي
التي كونت المسألة العربية الحاضرة.
وقد بلغنا من الأخبار الخاصة أنه كان في العهد الأخير عازما على إجابة
العرب إلى مطالبهم الإصلاحية، وإن كان هو الذي أمر بتشديد حازم بك على
طلاب الإصلاح في بيروت. وقد أشار طلعت بك في كلام له نشرته الجريدة إلى
ميل شوكت باشا إلى إجابة العرب إلى ما يطلبون من الإصلاح المعقول. وبالجملة
فإن للرجل -عفا الله عنه ورحمه - حسنات وسيئات وأمورا متناقضة، والله أعلم
بالسرائر.
***
احتجاج حزب المحافظة على حقوق الإنسان
على فظائع الاتحاديين
لما اتصل بحزب حقوق البشر الفرنسيين خبر الأعمال الفظيعة التي ارتكبها
الاتحاديون بحجة التحري عن قتلة شوكت باشا أرسل رسالة برقية بواسطة رئيسه
إلى مولانا السلطان من باريس في 18 يونيو احتجاجا على فظائع الاتحاديين وهذه
ترجمة الرسالة:
اسمحوا يا صاحب الجلالة لأصدقاء مخلصين للدولة العلية أن يستغيثوا بما
اتصفتم به من العدل والإنصاف باسم ستين ألفا من الرعايا الفرنسيين أعضاء حزبهم؛
إذ قد يتعذر على الرأي العام الأوربي أن يتصور قيام حكومة في أيام سلطان محب
للقوانين والتقدم لإلقاء القبض على الجموع العديدة عقب قتل شوكت باشا، وإلقاء
العذاب الأليم بهم وإعدام المتهمين منهم دون أن تضمن لهم الحق بالدفاع عن
أنفسهم.
أجل، إن الحكومات والشعوب لم تجن إلا العلقم من اتباع سياسة الإرهاب ولا
شيء شر وأسوأ من التذرع بحجة جرم سياسي لإلغاء الحزب المعارض والقضاء
عليه القضاء الأخير.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الإمضاء
... ... ... ... ... ... ... ... ... رئيس الحزب
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">