تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه ترجمته:

انهزم العثمانيون لأنهم استوجبوا غضب الله تعالى فلم ينصرهم؛ ذلك أنهم

خلعوا سلطانهم الذي خدمهم 33 عاما خدمة جليلة وحفظهم من ذلك الخذلان بحكمه

فيهم حكما مطابقا لرضاء الله تعالى! وأنهم لم يعرفوا قدره بل عزلوه عن منصبه

وأسقطوه من عرشه وفرقوه من تاجه، فإن الله تعالى حرمهم من الأراضي الأوربية

كلها وتركهم أذلاء في العالم تصديقا لما قاله نبيه المحبوب صلى الله عليه وسلم

لأمته وتفهيما لعصيان الأتراك إياه.

روى الإمام الترمذي في باب ما جاء في الخلفاء الحديث الآتي: من أهان

سلطان الله في الأرض أهانه الله. وهذا الحديث ليس مختصا بالسلطان التركي بل

يشمل كل سلطان، إذا حقر الناس أي سلطان كان، فلا بد أن تهان أنفسهم ويجازوا

عليه [1] الشبان العثمانيون أهانوا السلطان عبد الحميد، فالله تعالى جازاهم على ذلك،

وأهان أنفسهم وتركهم في ذلة وشقاء، نعم إن الأتراك شبانهم وشيوخهم سواء في

إهانة سلطانهم عبد الحميد بل لم يخل، عن هذه الإهانة العالم الإسلامي كله، ولكن

السبب فيها هم الذين تركوا دين الله وراء ظهورهم، وأبوا الشريعة الإسلامية،

ولم يخافوا الله تعالى. إن الذين أهانوا السلطان عبد الحميد ظهروا أولا في سلانيك

فالله تعالى أخذ سلانيك من أيديهم أولا وأعطاها للآخرين.

كان في مقدمة هؤلاء الناس الذين بغوا على السلطان عبد الحميد أنور بك

ونيازي بك اللذان في قدمهما شؤم، فإن أحدهما جاء إلى بلاد الأرنؤوط بقدمه النحسة

فذهبت تلك البلاد من أيديهم، وثانيهما قدم طرابلس الغرب فذهبت إلى الطليان

بشؤمه، هذا الرجل المشئوم بعد ما رجع من طرابلس الغرب قدم البلاد الأوربية

العثمانية فذهبت تلك البقاع إلى الحلفاء البلقانيين، حفظ الله من قدوم هؤلاء الناس

المشئومين إلى بلاد الأناضول، فإذا وطئوها فلا شك حينئذ في ذهاب الأناضول

أيضا.

إن العثمانيين مع ظهور جزاء الله تعالى فيهم لا يتفكرون في شؤمهم ولا

يبحثون عن إصلاح أحوالهم، بل يمشون على أعقاب هؤلاء الناس، ويجعلونهم

رؤساء فيعرضون أنفسهم لغضب الله تعالى وقهره إذا هم لم يفيقوا من غفلاتهم

ولم يتوبوا من قبائحهم ولم يطلبوا عفو السلطان عبد الحميد مقبلين يديه ورجليه

فليس بعيدا أن يأخذ الله تعالى منهم الخلافة والسلطنة بل هذا قريب جدا، تفكروا،

أي أمة من الأمم إذا سئمت الشريعة التي بها قوامها وسخرت من طالبي هذه

الشريعة ولقبتهم ب (شريعت استرز) [2] وكرهت الشريعة كما يكره الارتداد بل

ظلمت فوق ذلك أهل الدين منهم ولم تقف عند هذا الحد خوفا من الله تعالى بل

خوفا من أوروبا فقط، فماذا يفعل الله تعالى بهذه الأمة؟ أليس قليلا، ولو جازاهم بأي

جزاء؟

لئن نسي الشبان العثمانيون ما فعلوا بعلماء الدين من الإهانة عند الانقلاب

وبعده؛ فإن الله تعالى لا ينساه، فإنه يعلم أن قطرة من دماء هؤلاء الفدائيين في

سبيل الدين لا تقابلها دماء ألوف من الناس المشئومين، وزد على ذلك دم ناظم باشا

الغازي في سبيل الله في الانقلاب الأخير؛ وهذا يمنعهم أيضا من التقدم إلى مدة

طويلة، ودموع السلطان عبد الحميد وأحزانه في حبسه يكفيهم لإطفاء نورهم. وقى

الله الأمة الإسلامية من شرورهم اه.

-----------------

<span class="footnote">

(1) المنار: يدخل في عموم قوله المؤمن والكافر والبر والفاجر والعادل والجائر، ولا يقول بهذا عالم ولا عاقل، وحديث الترمذي غريب ورد في الأمير ابن عامر لا في الخليفة وفيه مقال ومراد راويه عدم إهانة الحكام التي تجرئ على الفوضى ولا يصح إطلاق سلطان الله على حاكم إلا إذا كان يقيم ما أنزله من الكتاب والميزان وإلا فهو عدو الله: وسلطان الله حجته وبرهانه، ويطلق على من يقيم ذلك.

(2) المنار: جملة تركية معناها (نطلب الشريعة) كان يحكيها بعض أحرار الترك بلهجة التهكم بخصومهم من أعضاء الجمعية المحمدية وغيرهم.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٣٢