تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النظر لإنشاء ترام بخاري من تواهي إلى الشيخ عثمان، أما تجارة عدن فلا تتقدم

والمناظرة شديدة بينها وبين جيبوتي والحديدة ولا يتيسر لعدن الحصول على نصيبها

من تجارة الداخلية إلا إذا وجدت المواصلات بينها وبين داخلية اليمن، والأحوال

هناك ليست على ما يرام، فالقبائل في نزاع دائم إحداها مع الأخرى، وجميعها مع

الأتراك، والقبائل الموجودة تحت حمايتنا تحارب القبائل الكائنة في آسية تحت

حماية الدولة العثمانية، والجيش العثماني يحارب أتباع إمام صنعاء، وحقيقة الأمر

أن الأتراك لم يستولوا فعلا على اليمن ولم يحسنوا الولاية على القسم الذي

يملكونه.

أما في الساحل الغربي الجنوبي فإن سلطان مكللا الكائن تحت حماية

إنكلترة قد حارب أخيرا في بلاد حضرموت وهو يزحف على خصومه على أنه لا

يملك إلا ألف مقاتل؛ فلا أهمية لغزواته، والناس لا يعلمون شيئا عما يحدث في

داخلية البلاد العربية يوميا من الغزو والحروب والخلاف الدائم مع أن البلاد العربية

أنجبت فيما مضى رجلا حمل أتباعه السيف والدين فدخلوا القارات الثلاث ومع أنه

لا ينتظر أن تنجب مثل هذا الرجل فيما بعد؛ فلا يبعد أن تكون عاملا خطيرا في

سياسة العالم.

وتكلم المكاتب عن الخلاف القائم بين ابن سعود وابن الرشيد وختم مقالته

بقوله: لئن كان هؤلاء المتحاربون في ظاهر الأمر لا يهمون إنكلترة فربما استطاعوا

يوما ما بطرق مختلفة أن يؤثروا في مركزنا في خليج العجم المتصل اتصالا تاما

بسلطتنا على الهند. اه.

هذا ما كتبته جريدة التيمس لسان حال حكومتها في إثر ما كتبته عن حقوق

دولتها أو مصالحها في مصر، فهل تجهل حكومتنا العثمانية هذا أم تعرفه وتريد أن

تحقق آمال إنكلترة وتنيلها مآربها في البلاد العربية في مدة أقصر مما قدره ساستها

لذلك؟ وما هو حظ الدولة من ذلك؟

نحن نعلم كما يعلم كل واقف على السياسة وسير الأمم والدول أن الإنكليز قد

مدوا أعينهم فأصابعهم إلى خليج عمان وخليج فارس وشط العرب والعراق منذ ثلاثة

قرون، ولكنهم كانوا ينظرون إلى تلك المعاهد خلسة، ويحركون أصابعهم فيها خفية،

وما زاد اهتمامهم في الأمر إلا توجه نابليون بونابرت الكبير الهمة الواسع الفكر

والطمع إلى سلوك طريق الإسكندر المكدوني ووصل الشرق بالغرب، وإنما هو

طريق العراق وذلك الخليج، ومنذ قضى دهاة الأرض وأقطاب سياستها على

نابليون ومطامعه جميعا طفقوا ينفذون مقاصده لأنفسهم بالتؤدة واغتنام الفرص

كعادتهم، فاحتلوا مصر بعد إخراجه منها بنحو ثلاثة أرباع القرن.

ويظهر أن دولتنا سهلت لهم أن يتمموا الأمر كله في مثل هذه المدة، وكان من

حسن حظهم أن سياسة عبد الحميد الخرقاء مكنت لهم في أرض مصر ثم أرادت أن

توجد لهم خصما قويا في العراق ومنفذه البحري إلى الهند فأعطت امتياز سكة بغداد

للألمان وأضرمت نار العداء والتنافس بينهم وبين الإنكليز؛ لمعارضة هؤلاء في

مدها ومشايعة الفرنسيين لهم؛ وبيد الفريقين معظم ثروة أوربة.

وكانت الدولة العثمانية ولا تزال ترى أن حياتها متعلقة بتنازع دول أوربة

الكبرى على المصالح والمنافع فيها، بل كانت محصورة في تنازع إنكلترة وروسية،

فأزال هذا التنازع عبد الحميد بسوء سياسته ولكنه استبدل به التنازع بين إنكلترة

وألمانية، فجاء بعده الاتحاديون فكانوا شرا منه وممن قبله وبعده سياسة؛ لأنهم بما

عقدوه من الاتفاق في هذه الأيام بين مندوبهم حقي باشا والحكومة الإنكليزية قد

أزالوا هذا التنازع أيضا، فأزالوا به كل عقبة تحول بين الدول وبين اقتسام بلادهم،

ويظن أعداء العرب منهم أنهم بذلوا أهم مواقع البلاد العربية وسلمت لهم

الأناضول التركية، ولكن هيهات هيهات، إن عبد الحميد حفر اللغم تحت بلاد

الأناضول، والاتحاديون وضعوا فيه البارود وأضرموا فيه النار.

* * *

وإننا ننشر الآن مواد الاتفاق بين إنكلترة وتركية ثم الآراء فيه، وهذه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٢٩