مدهشة؟ وقد انتهى أمرهم أنهم أنكروا المسيح وصلبوه وقتلوه، وبقي اليهود
مصرين على كفرهم به إلى اليوم؟ فهل من الحكمة والعدل أن تكثر الأنبياء بينهم إلى
تلك الدرجة المعروفة، ويحرم الله أمم جميع العالمين قاطبة من رسل إليهم منهم أو
من غير أمة اليهود المعاندين المرتدين الكافرين؟ فكيف يؤاخذ الله تلك الأمم ويلزمهم
بالإيمان بما لم يؤمن به اليهود أنفسهم الذين كثرت بينهم الآيات والمعجزات
وتعددت منهم الأنبياء والرسل؟ وكيف تكون جميع نعم الله تعالى على عباده في هذا
العالم مقسمة بين جميع الأمم على شيء من المساواة التامة أو الناقصة، ويحرم
بالمرة جميع الناس ما عدا اليهود من أكبر نعمه، وهي نعمة التجلي لهم والقرب
منهم بالوحي والنبوة والإرشاد الإلهي الأكبر ويعطي ذلك كله لليهود وحدهم؟
والأغرب من ذلك أن يكون اليهود هم المقصودين أولا وبالذات من بعثة
عيسى حتى ما كان يجوز له ولا لرسله دعوة غيرهم من الأمم إلا إذا رفض اليهود
الدعوة كما سنبينه (انظر مثلا مت 15: 24 وأع 13: 46 و18: 6 ورو 1:
16) فكأن جميع الأمم عند رب العالمين كلاب، وقد سماهم المسيح نفسه بذلك فقال
(مت 15: 26) : (ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب) وإذا قارنا
اليهود بمن في السموات والأرض من ملائكة وأناسي ودواب وشياطين وغير ذلك
بما فيهم من صالح وطالح ومهتد وضال، وعلمنا - بحسب دين النصارى - أن الله
لم يهتم بغير اليهود، حتى تجسد ونزل إلى الأرض وحبس في هذا الجسد الإنساني
إلى الأبد من أجلهم أولا، فرفضوه وأهانوه وقتلوه - أدركنا كيف أن إلههم قد
وضع الشيء في غير محله، وأخطأ المرمى مرارا وظلم غيرهم بعدم اعتنائه بهم
عنايته باليهود مع احتياج جميع المخلوقات إلى هدايته مثلهم ورعايته وتدبيره لهم،
ولكنه أهملهم، وبعد ذلك كله لم يعرف كيف يخلص اليهود بل أوقعهم في الهلاك
الأبدي بصلبهم له وحكم عليهم بالنار الدائمة، فهو إذا إله جاهل ظالم عاجز قاس حتى
لم يعمل هو نفسه بما ألزم به الناس - عندهم - من وجوب درء السيئة بالحسنة
والبغض بالمحبة (مت 5: 39 - 48) فصار منتقما حقودا حتى على
مختاريه اليهود، فكيف يوجب على الناس بعد ذلك ما لم يقدر عليه هو نفسه؟ وكيف
جهل كل هذه النتائج ولم يعدل بين مخلوقاته العدل الممكن؟ قارن هذه العقائد
بقول القرآن الشريف: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم
مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} (هود: 6) وقوله: {وما من دابة في
الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى
ربهم يحشرون} (الأنعام: 38) وقوله: {يسأله من في السموات والأرض كل
يوم هو في شأن} (الرحمن: 29) وقوله: ﴿يدبر الأمر﴾ (يونس: 3) وقوله:
﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ (الأعراف: 54) وقوله:
{ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا
يشاء قدير} (الشورى: 29) [6] وقوله: ﴿الله لطيف بعباده﴾ (الشورى: 19)
وقوله: ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ (فصلت: 12) إلخ إلخ، فأين الثريا من
الثرى؟ وأين السماء من الأرض؟
فانظر - رعاك الله - إلى هذه الحقائق الدينية العلمية السامية التي جاء بها
الأمي، وهي ما كانت تخطر على بال واضعي دينهم ومؤلفي كتبهم المقدسة، بل
إن وجود دواب في السموات كما في الأرض ما كان يعرفه أحد من العالمين
وخصوصا مؤلفي كتبهم الذين كانوا يتوهمون أن العالم عبارة عن المملكة الرومانية
فقط. (راجع ص14 من هذه الرسالة) .
ولنرجع إلى ما كنا فيه:
وإن كان وصل أولئك الحكماء إلى ما وصلوا إليه بالوحي الإلهي، فلم إذا أخذ
المبشرون ينكرون على القرآن مثل قوله: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (فاطر: 24) وقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا