يحضر المأدبة من الوجهاء والخواص فأجبت، ونجله الكبير الشيخ عبد القادر له
ذوق في النظام وميل إلى الصناعة، وقد مد من دارهم في سداب إلى دارهم في
مسقط مسرة تليفون فكانت هي الوحيدة في تلك القرية.
وسافرت من مسقط ضحوة يوم الإثنين لتسع عشرة خلون من الشهر ومكثت
في مجلس السلطان زهاء ثلاث ساعات من أول نهار السفر كان يلقى فيها علي
الأسئلة الكثيرة في العقائد وما يتعلق بها والأحكام الشرعية والاجتماعية والتاريخية،
وتارة يشير إلى رجاله بأن يسألوا، وكانوا جميعا يسرون من الأجوبة، ثم نزلنا
إلى البحر فودعني السلطان على رصيف قصره ونزل معي في زورقه البخاري
جميع من كان ثم من أنجاله الكرام وهم خمسة أكبرهم السيد نادر، ومعهم بعض
كتابه وحاشيته ومن سوء حظي أن كان ولي عهده السيد تيمور مسافرا فلم أره، وظل
هو واقفا على الرصيف حتى بعد الزورق عنه، فودعته الوداع الأخير بالإشارة.
ونزل معنا أيضا صديقنا الزواوي ونجله السيد علي ابن عم السلطان وصهره وقد
سافر معنا قاصدا البصرة فرأيت منه رفيقا تقيا نقيا صفيا.
وقد مكث معنا أولاد السلطان والزواوي ساعة من الزمن في الباخرة ثم
ودعناهم الوداع الأخير، وعادوا إلى مسقط موشحين بجلابيب شكري الخالص
وودي الدائم، إن شاء الله تعالى (وسنصف مسقط ونتكلم عن حالة أهلها الاجتماعية
في الرحلة) .
جرت السفينة بنا من مسقط ظهر يوم الاثنين، وهي إنكليزية تقطع في
الساعة 12 ميلا فقط، وفي ضحوة اليوم الثاني خرجت بنا عن محاذاة جبال عمان
ودخلت في الخليج الفارسي فصرنا نرى بر فارس عن اليمين وبر العرب عن
اليسار، ووقفت بنا فجر يوم الخميس في موضع من عرض البحر كان ينتظرنا فيها
مركب شراعي كبير أرسله إلينا الشيخ مبارك الصباح صاحب الكويت، وكان علم
بأننا نصل إليه في هذا الوقت في هذه الباخرة مما كتب إليه من بمبي ومسقط، فنزلنا
فيه قبل طلوع الشمس فأقلع بنا والريح لينة والبحر رهو، ثم قويت الريح قليلا في
النهار فبلغ بنا الكويت قبل غروب الشمس، وكان رجال الشيخ مبارك حملوا فيه
خروفين كبيرين وكثيرا من الحلوى والمشمش والخيار فأفطرنا وتغدينا فيه، وقد
أعجبني جدا طبخ الطاهي الذي كان معهم للخروف بالرز الهندي وهو طاه متفنن،
وطبخ للعشاء ألوانا متعددة لئلا نتأخر إلى الليل فبقيت للبحارة، وقد استقبلنا أولاد
الشيخ مبارك وبعض الوجهاء في زورق صغير خارج الميناء.
أنزلني الشيخ مبارك في قصره الجديد الذي هو قصر الإمارة وتولى مؤانستي
ومجالستي في عامة أوقاته في مدارسة العلم ومراجعة الكتب حتى صار له مشاركة
جيدة في جميع العلوم الإسلامية، وأقمت في الكويت أسبوعا كنت كل يوم ما عدا
يوم البريد، ألقي فيه خطابا وعظيا في أكبر مساجد البلد فيكتظ الجامع بالناس،
وكان يحضر مجلسي كل يوم وليلة وجهاء البلد من أهل التقوى وحب العلم يسألون
عما يشكل عليهم من أمر دينهم، وأما الشيخ ناصر فكان يسأل عن دقائق العلوم في
العقائد والأصول والفقه وغير ذلك، على أنه لم يتلق عن الأساتذة فهو من مظاهر
الذكاء العربي النادر.
ومما أحب أن أذكره هنا، وهو من مباحث الرحلة، مسألة علاقة مبارك
بالدولة العثمانية والإنكليز، كنا نسمع المنافقين لرجال الدولة يصفون صاحب
الكويت بالخيانة للدولة ويعيبونه بطلب حماية الإنكليز له، فسألته عن ذلك
فقص علي قصة سألت عنها بعد ذلك السيد رجبا نقيب البصرة مندوب الحكومة إليه
فيها؛ فكان جوابه موافقا لجواب الشيخ مبارك، ثم ذكرت ما قاله للشيخ فهد بك
الهزال شيخ قبائل عنزه في العراق؛ إذ كنت في ضيافته على نهر الفرات مع
صديقي مراد بك أخي محمود شوكت باشا فصدق ما قاله الشيخ مبارك، وزادني
فوائد هو أعرف الناس بها.
وملخص ما قاله الشيخ مبارك أنه في أواخر مدة عبد الحميد ساقت الدولة بعض
العسكر مع عربان ابن الرشيد إلى قرب الكويت وأرسل المشير فيضي باشا السيد