قال في مجلس النواب: إن لدولته حقوقا موروثة في سورية، وهم أول من سمع
هذا الصوت في مركز قوته وعظمته، فأحسوا بالخطر على وطنهم الخاص
وعلى قومهم ودولتهم، فأجمعوا أمرهم على أن يسمعوا فرنسة وسائر عالم
المدنية صوتهم المعبر عن إحساسهم ورأيهم في أمتهم ودولتهم، وكراهة افتياتها
عليهم ومقاومة احتلالها لبلادهم، وأن يدعوا لمشاركتهم من شاء واستطاع السفر
إليهم من أمتهم العربية، وهم يعلمون - كما يعلم كل عاقل خبير- أنه قلما يرحل
هذه الرحلة إلا من يشتغلون بالمصلحة العامة من حملة الأقلام الأحرار، وأصحاب
الأفكار، فتكون وظيفة المؤتمر الطبيعية أن يطلع العالم الأوربي على رأي جمهور
كبير من العرب يمثل بطبعه نهضتهم، فيعرفوا حقيقة المسألة العربية التي أحدثتها
جمعية الاتحاد والترقي في عالم السياسة، ولم تكن شيئا مذكورا إلا على ألسنة
جواسيس عبد الحميد وأقلام مستغلي أوهامه، ولا شيئا موجودا إلا في خياله وخيال
مبغضي العرب من ساسة دولته، وأن هذه المسألة لو وجدت في كتاب تاريخ
السياسة قبل الآن لنجت الدولة بقوة العرب مما وقعت فيه من الخذلان والهوان.
وقد رأى الداعون إلى هذا المؤتمر أنه يجب أن يكون لهم حزب يؤيدهم
ويؤيدونه فانتسبوا إلى (حزب اللامركزية الإدارية العثماني) الذي أسس في مصر
وجعلوا مؤتمرهم تابعا له، وطلبوا منه أن يرسل إليهم وفدا يكون أحد أعضائه
رئيسا للمؤتمر، فتلقى الحزب ذلك بالقبول واختار السيد عبد الحميد الزهراوي
وإسكندر بك عمون لذلك، وسيكون أولهما رئيس المؤتمر. وقد تقرر أن تدور مباحث
المؤتمر على المسائل الآتية:
1- مقاومة الاحتلال الأجنبي للوطن.
2- حقوق العرب في المملكة العثمانية.
3 - وجوب تغيير شكل الإدارة العثمانية الحاضر وجعله من نوع اللامركزية
الإدارية؛ إذ لا يرجى صلاح المملكة بدون ذلك، ولا بقاء لها إلا بصلاحها كما
تقتضيه سنة الله تعالى في الخلق، المعبر عنها في لسان العلم بالانتخاب الطبيعي
وبقاء الأمثل.
4- المهاجرة من سورية وإليها.
هذه المسائل هي أهم المسائل الاجتماعية الحيوية في المملكة العثمانية،
وأكثرها قد صار حديث ساسة الدول وجرائد الأمم، ولو لم يوجد من العرب حزب
ولا مؤتمر يبحث فيها لجاز لجميع الأمم والدول أن تعتقد أنه لا يوجد في المملكة
العثمانية أمة تسمى الأمة العربية، وأن تصدق مغروري جمعية الاتحاد والترقي في
زعمهم أن العرب ليسوا أمة ولا شعبا فيحسب لهم حساب في إدارة المملكة العثمانية
ومصالحها، وإنما هم قسمان: عرجلة أو عراجل من الوحوش في اليمن وبوادي
الشام والعراق والحجاز ونجد ينكل بهم الجيش العثماني المظفر، وقطعان من
الغنم في سورية ومدن العراق تتصرف بهم الحكومة المركزية بما تشاء من رعي
ومن منع، وذبح وبيع.
سيكون لحزب اللامركزية ولمؤتمره في باريس ولطلاب الإصلاح المبني على
قواعد هذا الحزب في الولايات السورية والعراقية شأن عظيم في الآستانة وأوربة
المسيطرة على الحكومة العثمانية، وإن كابر الحس والنفس في ذلك زعماء جمعية
الاتحاد والترقي واستعملوا سلطة الحكومة وألسنة المثقفين المنافقين المتزلفين لها
وأقلامهم لتحقيرهما وتهوين أمرهما، وهي لم تحقر شيئا إلا وعظم ولم تعظم شيئا
إلا وحقر؛ لأنها مخذولة من الله المتنكبة لسنته في خلقه وشرعه، كما ثبت
بالتجربة مرارا، ومن ذلك أنها تلبس الحق بالباطل فتصف الشيء بضد ما هو عليه،
وتسلك إلى كل غاية الطريق الموصل إلى ضدها، فهي تأمر منافقيها بأن يذيعوا
أن المؤتمر وحزب اللامركزية وطلاب الإصلاح يعملون بإيعاز من الأجانب ليمهدوا
لهم طريق احتلال وطنهم، الأمر بالضد كما هو ظاهر وسيكون في المؤتمر أتم
ظهورا، كما توعز إليهم أن يقولوا: إنها تعمل لإحياء الجامعة الإسلامية، على حين
نرى بعض كتابها ينشر في مجلة الشرق الإنكليزية مقالا يحاول فيه إقناع الإنكليز