تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عمران: 102-103) وغير ذلك من آيات الذكر الحكيم أعظم اعتصام - إذ خلف

من بعدهم خلف أضاعوا الحقوق، واستبدلوا بإخاء الدين - الذي به ملاك الأمر-

القطيعة والعقوق، ليستعد أحدهم لأخيه بالمدمرات، ويعد أعظم المفاخر إذا صرعه

فمات، مع أن مجرد الإشارة بحديدة ورد فيها (من أشار إلى أخيه بحديدة لم تزل

الملائكة تلعنه حتى يشيمها [3] ) هذا، وأعداء الملة من وراء هذه الأستار ينظرون

نظر المفترس إلينا، ويترقبون كل آن الفرصة لمحونا، ومن الحمق أن نخرب

بيوتنا بأيدينا، فأعناهم بنا علينا، كأننا لم نتل في القول الصحيح أن التنازع يوجب

الفشل ويذهب الريح {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع

الصابرين} (الأنفال: 46) فلا عجب من هذه الغمة، إذا حلت بنا معاشر هذه

الأمة، وانطوى على الهوان يومهم وأمسهم؛ لأنهم ﴿نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ (الحشر: 19) ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ (الأحقاف: 35) {إن الذين

يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين} (المجادلة: 20) ولو أنهم اعتصموا

بحبل الله مولاهم، لكان لهم نعم المولى ونعم النصير وكفاهم، ولكان لهم ما كان

لأسلافهم؛ إذ دانت لهم المشارق والمغارب، وما قاومهم أحد إلا خذل؛ لأنهم حزب

الله وحزب الله كما كتب على نفسه هو الغالب {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين

* إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون} (الصافات: 171-173)

﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ (محمد: 11)

﴿وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير﴾ (الأنفال: 40)

ومهما هال العدو بما في يده من الآلات الشنيعة، فإنه والله ستنكشف عما هو

كسراب بقيعة {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا

إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام: 81-82) وأعداء الدين في

كل وقت أعظم عددا، وأكثر استعدادا وأقوى مددا وجندا ليحق الله قوله: {ولن

تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} (الأنفال: 19) {والله

غالب على أمره} (يوسف: 21) {حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من

أضعف ناصرا وأقل عددا} (الجن: 24) ولا يزال الحق هذه صفاته وفي كل آن

ومكان هذه نعوته {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع

العليم} (الأنعام: 115) .

فبينما الخاطر في هذه المهامه، والفكر في هذه المفاوز حيران وواله، وهل

من مستبصر مستهد يأخذ في هذه المضايق بالأيدي - إذ ورد كتابكم الكريم المستحق

للاحترام والتعظيم والتفخيم، مسفرا عما تحدو إليه الرغائب من الدعوة للاتحاد

ونبذ ما هو بجانب، فانشرح البال وأسرعت إلى داعيك وحمدت الله؛ إذ كانت

نسائم التوفيق تهب بناديك، متوكلين على الملك الجليل، وهو حسبنا ونعم الوكيل،

وهل يرضى الله ورسوله إلا إذا كان المسلمون إخوانا، يجاهدون في سبيله وعلى

الحق أعوانا، ولقد أخذنا وأخذتم بذلك، حتى حالت أمور قد ذكرتم لا حاجة إلى

ذكر ما هنالك، وما ذكرتم من الهيئة فقد أرسلنا إليكم أخانا محمد يحيى ومعه جماعة

يتوجهون إلى رجال (المع) [4] ولا تطمئن نفسه بالدخول إلى (أبها) فيتفق

بجانبكم بأطراف (المع) الشام وتحصل المذاكرة، وإن شرفتم بالقدوم فحيهلا

وسهلا، وغيرنا وغيركم لا يكاد بهذه المقاصد أن يقوم، ولعلنا أن نكون السبب

في كشف هذه المشاكل من جميع الوجوه في أقرب وقت عاجل، فترتاح الدولة في

هذه الديار، بل في جميع الأقطار والأمصار، والأمور وإن تشعبت فإن مرجعها

إلى الله، وبيده الحركة والسكون وهو أهل الكرم، حاشاه أن يخيب من وفقه

للالتجاء إليه ودعاه، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، والسلام عليكم (ورحمة

الله) وعلى من حواه المقام، ورحمة الله وبركاته في البدء والختام.

... ... ... ... ... ... غاية شوال سنة 1329.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٩٢