تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاتكال على غيرهم عن عاتقهم، ويأسهم من الدولة العثمانية والحكومة الإسلامية

القائمة بها الأمة التركية. وهذا الرجوع والخلع وإن جاءا متأخرين عن وقتهما كثيرا

وربما لا تثمر المساعي اليوم ولا ينفع العمل - فإن فيهما بشارة عظيمة لأن اعتماد

المسلمين على أنفسهم بعد اتكالهم على الله، واهتمامهم بشئونهم وأمورهم، والسعي

والعمل لملتهم وأمتهم وتوجه أفكارهم وأنظارهم نحو حماية الإسلام ورفعة شأنه،

وصيانة الشرع الشريف من العبث به لا بد أن ينفعهم إما عاجلا أو آجلا، وأن

يحفظ لهم البقية الباقية، إن لم يعد لهم ما كان لهم في الأيام الخالية، وكل من سار

على الدرب وصل، والقنوط ليس من شأن المسلمين الصادقين، كيف وقد أخبرهم

ربهم بأن العاقبة للمتقين، وأن الله ولي المؤمنين؟

تألفت في لكهنؤ من بلاد الهند جمعية نافعة جدا ولكنها لا تزال في طور

التكوين اسمها مجلس أو أنجمن (خدام الكعبة) وقد نشر نظامها وبروجرامها بعد بيان

مقاصدها وأغراضها، وكل ذلك بصورة اقتراح لطلب الموافقة عليه حضرة الكاتب

الغيور، والمحامي المسلم الكبير، مستر مشير حسين القدوائي.

ولما كان الوقت ضيقا وكان النظام والاقتراح طويلا اكتفيت اليوم بنقل مقدمة

القدوائي وتمهيده الذي مهد به الكلام على اقتراحه مرجئا نقل الاقتراح وإرساله إلى

البريد التالي إن شاء الله.

وهذا هو التمهيد مترجما عن الخلاصة التي نشرت منه في العدد 16 من

المجلد الثاني من جريدة الهلال الأسبوعية الغراء الصادرة يوم 23 إبريل سنة

1913 من كلكته:

مجلس خدام الكعبة

﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ (الصف: 8)

لا شبهة في أن الله جل جلاله هو الحافظ لنوره، ولكن ألا نحب نحن بقاء هذه

الأمانة النورانية لدينا؟ هل يختار الله غيرنا للمحافظة على هذا النور؟ ألا يبقى من

يؤتمن على هذا النور من نسل الأمة المحمدية الموجودة؟

منذ سنتين ونحن في ابتلاء شديد، كم استشهد من المسلمين في طرابلس؟ وكم

ذبح منهم في البلقان؟ ولم يكتف الظالمون بسفك دماء إخواننا بل تعدوا إلى

انتهاك حرمات الأماكن الإسلامية في البلاد التي وقعت في أيديهم فجعلوها

اصطبلات واتخذوها كنائس.

ولا تزال قوات البلقان المتحدة ومعها جميع الدول المسيحية في سعي متواصل

لإخراج أدرنة من أيدي المسلمين، تلك البلدة المحتوية على مساجد خلفاء

الإسلام سلاطين آل عثمان ومقابرهم، ولأجل تمكين الرعب من قلوبنا نحن المسلمين

تطلب بلغاريا الاستيلاء على القسطنطينية التي فيها مسجد أيا صوفيا والمزار

المقدس.

إن ما جرى في المشهد المقدس [1] من قريب غير خاف على أحد، وإذا كان

هكذا هيجان المسيحيين ذوي التهذيب المادي في القرن العشرين فمن يضمن لنا

خلاص الكعبة المعظمة والمدينة المنورة من جريان مثل ذلك عليهما، لا قدر الله.

إنا قد استفدنا درسا وافيا في عدم الاعتماد على قوة أخرى أو دين آخر، فيجب

علينا أن نفكر ونعمل للمحافظة على مواضعنا المقدسة وخدمتها.

إخواني، لا أريد بهذا القول الدول المسيحية بل أريد أن أنبهكم إلى أن

الواجب عليكم من الآن أن لا تتركوا أمر الأماكن المقدسة لشعب من شعوبكم أو

طائفة من طوائفكم، أتراكا كانوا أو إيرانيين، فإن هؤلاء عديمي الحيلة لا يقدرون

على الأعداء الكثيرين، سواء كانوا منفردين أو مجتمعين، ولا يمكن لقوة أن تقابل

عشر قوات، ألا وإن الحق في نظر التهذيب المادي هو الشدة والقوة، إن العثمانيين

يجودون بالأرواح: نساؤهم ترمل وأولادهم تيتم، وديارهم تخرب، ومزروعاتهم

تتلف وتنتهب، فماذا يمكنهم أن يفعلوا وحدهم مع ذلك؟ لقد صار من الصعب

العسير على السلطان صيانة قبور أجداده من أيدي الأعداء وإساءاتهم، وقد وجهت

القوات المسيحية بأجمعها ضغطها عليه، فما الذي يطمئنه على صيانة الكعبة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٨٩