تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخاطبه بحضوره لأجل المذاكرة فيما يجمع الشأن فكان يساجل إلى أن تمكن من

أرزاق ومعاش؛ لأنه في ذلك الوقت كان عادما فلما رأى أنه استغنى تكبر، وأجاب

بالغلظة وإعداد الطوابير الجملة للمخالفين فرجع صاحبنا بذلك.

ثم في هذه المدة مع ما رأيناه من فتك الطليان بهم أخذنا العطف فأمسكنا كل

حركة، وكتبنا لمن في مفرزة ميدي [7] : إن دهمكم شيء فلكم مانعون، فكان منهم

أن محمد علي [8] مر بطريق القنفدة وليته لما مر قصر اشتغاله بمصلحة العسكر؛

بل أخذ يحرق ما وجد في طريقه من بيوت السادات العلماء؛ لأن هذا الرجل أكبر

عداوته لأهل الدين؛ لأن ما ناله من الشرف في الآستانة كان بأسباب شنقه لعالم في

أطنه أيام تنازع وقع بين المسلمين والنصارى هناك. ولما قدم جازان بالعساكر لم

يختر لهم (خسته خانه) إلا جامع تلك البلدة، ولا يهمه أن تلوث بالنجاسة وتعطلت

إقامة الجمعة فيه.

وكأنه يظن أن هذه هي الأسباب في ارتزاقه النياشين والرتب من باب: (من

رزق من شيء فليلزمه) وهذا هو السبب في تجهيز ما وجهناه من الجند إلى جهة

الشام [9] لأجل مدافعة هذا الطغيان والمحافظة على مراكز أهل الدين والإيمان.

وقد حصلت المذاكرة بيننا وبين هؤلاء الإخوان في هذه الأحوال إلى أن ساق

بنا الكلام إلى مفرزة ميدي، وأخبرناهم أن الطليان قد ضربوا قلاع الدولة ومراكزها

من باب المندب إلى جدة، وهد تلك الحصون بمدافعه المسلطة، ولم يبق إلا هذه

القلعة مع أن شيخ البلدة التي فيها قد سبقت له جناية مع الطليان بواسطة شهادة

سبنوك، طال الخلاف بين الترك والطليان فيه، وتوقف الأمر على شهادة هذا الشيخ،

وتهددته الدولة بالشهادة لها فشهد، فإذا قصد الطليان هذه المفرزة لا يقتصر عليها،

بل يتعداها إلى تلك البلد، لما جناه شيخها عليهم، وسابقا قد ضربوا هذه البلد كما

قد عرفته.

ومن المشاهد أن هذه العساكر كجملة من في كل موضع إذا ضرب الطليان

المواقع هربوا من مواقعهم تلك إلى محلات العامة ولم يدافعوا ولا يضرب مدفع

واحد، وقد ضربت هذه القلعة من نحو شهر، وخرجوا منها كما ذكرنا، وهذا مما

أوقع الناس في العجب، فإن الدولة لما عجزت عن إصلاح الداخلية كان يرجى منها

حفظ الخارجية والقيام بالمدافعة عن الرعايا ممن قصدهم بسوء، فعجزت الدولة

الآن عن هذا وهذا، فما بقي لهم إلا أن يسعوا الناس بحسن الخلق؛ لو كانوا

يعقلون.

ثم إنه قد اشتد الخطب من الطليان بمحاصرتهم للحديدة إلى حالة يخشى معها

أن تحتل الحديدة، فتكلمنا مع العسكر الذين في القلعة بأن بقاءهم بها ضرره على

الإسلام والمسلمين؛ لأن الحديدة إذا احتلت يتبعها ملحقاتها ومن ذلك هذه القلعة،

ومن المعلوم حسب أصولهم أنه إذا احتلت الحديدة، وجاء المحتلون ببوابيرهم

لاستلام هذه النقطة تبعا للمركز، ومعهم الإذن بالتسليم من كبراء الترك، فإن من

هذه النقطة لا يلتفت إلى الإسلام ولا إلى المسلمين ولا يهتمون بأمر الوطن بل حالا

يعملون الترتيب اللازم في التسليم إلى المحتلين، ولو بطريق الحرب مع أهل

الوطن بأن يضربوا من القلاع وتضرب البوابير من الساحل حتى يتصلوا بالمحتلين،

ويدفعوا لهم موقع الحرب، ويسلموا أهل الوطن إلى الأسر، كما فعلوا في بني

غازي إحدى متصرفيات طرابلس، فإن أهلها عشية احتلال الطليان؛ لما رأوا

بوابير الطليان بالساحل أسرعوا إلى مركز الحكومة ليستعدوا للقتال ويودعوا أهاليهم

وأموالهم في محل مكين، فمنعهم الأتراك وألزموهم الطمأنينة فرجعوا إلى بيوتهم،

فلما جن الليل لم يشعروا إلا والمتصرفية بأجمعها صارت عساكر طليانية فقاموا

للدفاع ولم يمكن الخروج من المنازل إلا للرجال دون النساء والذرية، وهم الآن

تحت قبضة الطليان، واشتهر أن هذه المعاملة من العساكر بأسباب ما أخذه كبراؤهم

من الطليان خفية. وبأسباب ذلك استقال الصدر فتبين أن بقاءهم حينئذ في المواقع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٤٧