(7) لاحظ أن إنجيل لوقا مع أنه أوفى الأناجيل وأدقها وأصحها هو أيضا أبعدها عن عقيدة النصارى في ألوهية المسيح، حيث إنه اعتبره إنسانا من أول الأمر إلى آخره، انظر مثلا (لو 22: 43 و 24: 19) ولم يطلق عليه لفظ الرب، وهو في جميع اللغات لقب تعظيم بمعنى السيد والمعلم ونحو
ذلك، كما في (يو 1: 38 ومت 23: 7 و8) لم يطلقه عليه إلا مرات قليلة وظهر لهم أن بعضها زيد فيه تحريفا في الأزمنة الأولى كما في إصحاح (7: 31 و22: 31) منه وليس هذا فقط بل لم يجعل هذا الإنجيل المسيح ديانا للخلائق جميعا مجازيا لهم بحسب أعمالهم، كما فعل متى وغيره، ولم يقل إن الملائكة هي ملائكة المسيح (قارن متى 16: 27 و28 و25: 32 و33 و24: 31) بلوقا 9: 26: 27 و21: 27) ولم يذكر عبارة متى (28: 19) التي اتخذها النصارى إشارة إلى ثالوثهم، قارن أيضا كلمات الوداع في إنجيل (متى 28: 18-20) بها في لوقا (24: 46 - 53) فأقرب الأناجيل لعقيدة النصارى هو إنجيل يوحنا ويليه متى ثم مرقس ثم لوقا، قارن أيضا قول (متى 13: 41) (يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم) قارنه بقول لوقا (12: 8 و9) (وأقول لكم: كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله، ومن أنكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله) ، ثم راجع سفر الأعمال وهو من تأليف لوقا أيضا عندهم تره يقول فيه عن لسان بولس أستاذه: (إن المسيح إنسان وإن الله هو الذي أقامه من الأموات) (أع 17: 31) انظر أيضا (أع 2: 24) وأما قول بولس في سفر الأعمال هذا (17: 31) (إن الله سيدين المسكونة بهذا الرجل) يعني المسيح، فهو لا يدل على أنه كان يعتقد ألوهيته لأنه سماه في هذه العبارة نفسها رجلا، وقال: (إن الله هو الذي أقامه من الأموات) راجع أقواله في المسيح في (1 تي 2: 5 وأف 1: 17 ورو 5: 15 و1 كو 3: 23 وغل 4: 14) وأيضا فإن تلاميذ المسيح أنفسهم سيدينون بحسب هذه الأناجيل أسباط إسرائيل الاثني عشر انظر مثلا (مت 19: 28) وقال عيسى لتلاميذه (مت 18: 18) (الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء) ولم يقل أحد من النصارى بألوهيتهم، ولو أنهم كثيرا ما سجدوا لصورهم ولصور غيرهم من القديسين والقديسات في كنائسهم. وهذه العبارة الأخيرة ونحوها كانت منشأ سلطة الباباوات العظيمة، وربما أنهم هم الذين اخترعوها ونسبوها لعيسى، وهو منها ومن أمثالها بريء. ومما يشعر بأن هذه العبارة هي من اختراع رؤساء النصرانية القدماء قولهم عن لسان المسيح قبلها (مت 18: 17)
(وإن لم يسمع (أي من أخطأ إلى أخيه) منهم أي من الشهود) فقل للكنيسة، وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار) فأي كنيسة كانت في ذلك الوقت يتحاكم إليها تلاميذ المسيح وهو لا يزال بينهم؟ فالحق أن هذه العبارة مما أضيف إلى الإنجيل بعد المسيح بمدة، ويؤيد ذلك جواب المسيح الوارد في إنجيل متى (20: 23) لأم ابني زبدي بأنه لا يقدر أن يعطي شيئا إلا لمن أراده الله، فكيف إذا يتصرف تلاميذه في الكون كما أرادوا؟ وقال بولس: إنه هو والقديسين وسائر النصارى سيدينون العالم والملائكة، فهل هؤلاء كلهم آلهة؟ انظر (1 كو 6: 2 و3) .
(8) ومن ذلك يعلم أن المسيح ليس وحده عندهم ديانا للخلائق بل هو أكبرهم وأعظمهم فهو كقاضي القضاة يوم القيامة، وإذا لاحظت أن اليهود كانوا يسمون قضاة الدنيا (آلهة) وبالعبرية (ألوهيم) وهذه اللفظة تطلق على المفرد وعلى الجمع، فلذا كانت تطلق على الله تعالى وعلى عظماء البشر أو قضاتهم كما يفهم من (مز 82: 6 صمو 28: 13 ويو 10: 34 - 37) راجع أيضا (خر 21: 6 و22: 8 و9) وربما كان إطلاقها على الله - وهي جمع - من بقايا أثر الشرك القديم والوثنية في اللغة العبرية، إذا لاحظت ذلك وتذكرت أن بولس ويوحنا كانا يهوديين صميمين لم تستغرب تسميتهما المسيح، وهو عندهم ديان القيامة الأعظم بإذن الله (يو 5: 27) مرة أو مرتين (إلها) كما في