تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام

البقرة 144 الآية. المسألة الخامسة - اعلم أن النسخ على ثلاثة أقسام الأول - نسخ التلاوة والحكم معا، ومثاله ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن.. " الحديث. فآية عشر رضعات منسوخة التلاوة والحكم إجماعا. الثاني - نسخ التلاوة وبقاء الحكم، ومثاله آية الرجم المذكورة آنفا، وأية خمس رضعات على قول الشافعي وعائشة ومن وافقهما. الثالث - نسخ الحكم وبقاء التلاوة، وهو غالب ما في القرآن من المنسوخ. كآية المصابرة، والعدة، والتخيير بين الصوم والإطعام، وحبس الزواني. كما ذكرنا ذلك كله آنفا. المسألة السادسة - اعلم انه لا خلاف بين العلماء في نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة. بمتواتر السنة واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة كعكسه، وفي نسخ المتواتر بأخبار الآحاد. وخلافهم في هذه المسائل معروف. وممن قال بأن الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب، وأن السنة لا تنسخ إلا بالسنة الشافعي رحمه الله. قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - هو أن الكتاب والسنة كلاهما ينسخ بالآخر. لأن الجميع وحي من الله تعالى. فمثال نسخ السنة بالكتاب نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام. فإن استقبال بيت المقدس أولا إنما وقع بالسنة لا بالقرآن، وقد نسخه الله بالقرآن في قوله

فلنولينك قبلة ترضاها

البقرة 144 الآية. ومثال نسخ الكتاب بالسنة نسخ آية عشر رضعات تلاوة وحكما بالسنة المتواترة. ونسخ سورة الخلع وسورة الحفد تلاوة وحكما بالسنة المتواترة. وسورة الخلع وسورة الحفد هما القنوت في الصبح عند المالكية. وقد أوضح صاحب الدر المنثور وغيره تحقيق أنهما كانتا سورتين من كتاب الله ثم نسختا.

وقد قدمنا في سورة الأنعام أن الذي يظهر لنا أنه الصواب هو أن أخبار الآحاد الصحيحة يجوز نسخ المتواتر بها إذا ثبت تأخرها عنه، وأنه لا معارضة بينهما. لأن المتواتر حق، والسنة الواردة بعده إنما بينت شيئا جديدا لم يكن موجودا قبل، فلا معارضة بينهما ألبتة لاختلاف زمنهما. فقوله تعالى

قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة

الأنعام 145 الآية. يدل بدلالة المطابقة دلالة صريحة على إباحة لحوم الحمر الأهلية. لصراحة الحصر بالنفي والإثبات في الآية في ذلك. فإذا صرح النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يوم خيبر في حديث صحيح " بأن لحوم الحمر الأهلية غير مباحة " فلا معارضة ألبتة بين ذلك الحديث الصحيح وبين تلك الآية النازلة قبله بسنين. لأن الحديث دل على تحريم جديد، والآية ما نفت تجدد شيء في المستقبل كما هو واضح. فالتحقيق إن شاء الله - هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن خالف فيه جمهور الأصوليين، ودرج على خلافه وفاقا لجمهور صاحب المراقي بقوله

والنسخ بالآحاد للكتاب ليس بواقع على الصواب

ومن هنا تعلم - أنه لا دليل على بطلان قول من قال إن الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بحديث

" لا وصية لوارث "

والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة - اعلم أن التحقيق هو جواز النسخ قبل التمكن من الفعل. فإن قيل ما الفائدة في تشريع الحكم أولا إذا كان سينسخ قبل التمكن من فعله؟ فالجواب - أن الحكمة ابتلاء المكلفين بالعزم على الامتثال. ويوضح هذا -أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ولده، وقد نسخ عنه هذا الحكم بفدائه بذبح عظيم قبل أن يتمكن من الفعل. وبين أن الحكمة في ذلك الابتلاء بقوله

إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم

الصافات 106-107 ومن أمثلة النسخ قبل التمكن من الفعل نسخ خمس وأربعين صلاة ليلة الإسراء، بعد أن فرضت الصلاة خمسين صلاة، كما هو معروف. وقد أشار إلى هذه المسألة في مراقي السعود بقوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٢٧