تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نأت بخير منها أو مثلها

البقرة 106 إشكالا من جهتين الأولى - أن يقال إما أن يكون الأثقل خيرا من الأخف. لأنه أكثر أجرا، أو الأخف خير من الأثقل لأنه أسهل منه، وأقرب إلى القدرة على الامتثال. وكون الأثقل خيرا يقتضي منع نسخه بالأخف، كما أن كون الأخف خيرا يقتضي منع نسخه بالأثقل.

لأن الله صرح بأنه يأتي بما هو خير من المنسوخ أو مماثل له، لا ما هو دونه. وقد عرفت أن الواقع جواز نسخ كل منهما بالآخر. الجهة الثانية من جهتي الإشكال في قوله ﴿ أو مثلها ﴾ لأنه يقال ما الحكمة في نسخ المثل ليبدل منه مثله؟ وأي مزية للمثل على المثل حتى ينسخ ويبدل منه؟ والجواب عن الإشكال الأول - هو أن الخيرية تارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر، وذلك فيما إذا كان الأجر كثيرا جدا والامتثال غير شديد الصعوبة، كنسخ التخيير بين الإطعام والصوم بإيجاب الصوم. فإن في الصوم أجرا كثيرا كما في الحديث القدسي

" إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به "

، والصائمون من خيار الصابرين. لأنهم صبروا لله عن شهوة بطونهم وفروجهم. والله يقول

إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب

الزمر 10 ومشقة الصوم عادية ليس فيها صعوبة شديدة تكون مظنة لعدم القدرة على الامتثال، وإن عرض ما يقتضي ذلك كمرض أو سفر. فالتسهيل برخصة الإفطار منصوص بقوله

فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر

البقرة 184. وتارة تكون الخيرية في الأخف، وذلك فيما إذا كان الأثقل المنسوخ شديد الصعوبة بحيث يعسر فيه الامتثال. فإن الأخف يكون خيرا منه، لأن مظنة عدم الامتثال تعرض المكلف للوقوع فيما لا يرضي الله، وذلك كقوله

وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله

البقرة 284 فلو لم تنسخ المحاسبة بخطرات القلوب لكان الامتثال صعبا جدا، شاقا على النفوس، لا يكاد يسلم من الإخلال به، إلى من سلمه الله تعالى - فلا شك أن نسخ ذلك بقوله

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

البقرة 286 خير للمكلف من بقاء ذلك الحكم الشاق، وهكذا. والجواب عن الإشكال الثاني - هو أن قوله

أو مثلها

البقرة 106 يراد به مماثلة الناسخ والمنسوخ في حد ذاتيهما. فلا ينافي أن يكون الناسخ يستلزم فوائد خارجة عن ذاته يكون بها خيرا من المنسوخ، فيكون باعتبار ذاته مماثلا للمنسوخ، وباعتبار ما يستلزمه من الفوائد التي لاتوجد في المنسوخ خيرا من المنسوخ. وإيضاحه - أن عامة المفسرين يمثلون لقوله ﴿ أو مثلها ﴾ بنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام. فإن هذا الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى ذاتيهما متماثلان. لأن كل واحد منهما جهة من الجهات، وهي في حقيقة أنفسها متساوية، فلا ينافي أن يكون الناسخ مشتملا على حكم خارجة عن ذاته تصيره خيرا من المنسوخ بذلك الاعتبار. فإن استقبال بيت الله الحرام تلزمه نتائج متعددة مشار لها في القرآن ليست موجودة في استقبال بيت المقدس، منها - أنه يسقط به احتجاج كفار مكة على النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم تزعم أنك على ملة إبراهيم ولا تستقبل قبلته! وتسقط به حجة اليهود بقولهم تعيب ديننا وتستقبل قبلتنا، وقبلتنا من ديننا! وتسقط به أيضا حجة علماء اليهود فإنهم عندهم في التوراة أنه صلى الله عليه وسلم سوف يؤمر باستقبال بيت المقدس، ثم يؤمر بالتحول عنه إلى استقبال بيت الله الحرام.

فلو لم يؤمر بذلك لاحتجوا عليه بما عندهم في التوراة من أنه سيحول إلى بيت الله الحرام، والفرض أنه لم يحول. وقد أشار تعالى إلى هذه الحكم التي هي إدخاص هذه الحجج الباطلة بقوله

ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره

البقرة 150 ثم بين الحكمة بقوله

لئلا يكون للناس عليكم حجة

البقرة 150 الآية. وإسقاط هذه الحجج من الدواعي التي دعته صلى الله عليه وسلم إلى حب التحويل إلى بيت الله الحرام المشار إليه في قوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٢٦